
المغرب..التساقطات المطرية.. عودة الخير بعد سنوات الشح
شهد المغرب، منذ نوفمبر 2025، سلسلة من العواصف المطرية المتتالية أثرت بشكل إيجابي على مختلف الأحواض المائية. في بعض المناطق الشمالية مثل طنجة وشفشاون، سجلت مقاييس الأمطار أرقاماً قياسية تجاوزت 40 إلى 60 ملم في يوم واحد، بينما غطت الثلوج مساحة تجاوزت 55 ألف كيلومتر مربع في المناطق الجبلية. هذه التساقطات لم تقتصر على المناطق الشمالية والوسطى، بل امتدت إلى أجزاء من الجنوب، مما ساهم في رفع مستويات المياه في أحواض سبو، أبي رقراق، واللوكوس بشكل ملحوظ.
النتيجة الملموسة: انتقال الوضع المائي من “تدبير الندرة” إلى “عقلنة الوفرة”. بعد سنوات من الجفاف الذي أثر سلباً على الزراعة والإمدادات المائية، أصبحت بعض السدود الكبرى تقترب من الامتلاء الكامل أو تتجاوزه، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات استباقية لتفادي مخاطر الفيضانات، مثل تصريف المياه من سد الوحدة بصبيب يصل إلى 250 متر مكعب في الثانية.
أبرز السدود وتفاوت نسب الملء حسب الأحواض
رغم الارتفاع الإجمالي، يظل التفاوت واضحاً بين الأحواض المائية المختلفة، وهو ما يعكس الطبيعة الجغرافية المتنوعة للمغرب:
- حوض اللوكوس: يتصدر القائمة بنسب عالية، حيث بلغ سد الوحدة 86%، وسجلت بعض السدود الصغيرة امتلاءً كاملاً.
- حوض سبو: يحافظ على مستويات مريحة، مع سد سيدي محمد بن عبد الله عند 97%، وسد محمد الخامس عند 80%.
- حوض أم الربيع: يسجل تقدماً ملحوظاً، لكن سد المسيرة لا يزال منخفضاً نسبياً عند 14%، بينما يقترب سد بين الويدان من 41%.
- حوض سوس ماسة: انتقل من مستويات منخفضة جداً (حوالي 16%) إلى 53% تقريباً، مما يبعث الأمل لدى الفلاحين في المنطقة.
- حوض درعة واد نون: يبقى مستقراً نسبياً عند حوالي 31%، مع حاجة ماسة إلى مزيد من التساقطات.
هذا التفاوت يبرز أهمية مشاريع الربط بين الأحواض، مثل المرحلة الثانية من الربط بين أبي رقراق وأم الربيع، لضمان توزيع أفضل للموارد وتجنب الهدر.
تأثير الانتعاش المائي على الاقتصاد والزراعة
يأتي هذا التحسن في توقيت مثالي للموسم الفلاحي 2025-2026. بعد عجز مطري في البداية، ساهمت التساقطات في رفع المساحات المزروعة بشكل كبير، خاصة في الحبوب والخضروات. خبراء اقتصاديون يتوقعون أن يتجاوز نمو القطاع الفلاحي 5% هذه السنة، وربما يصل إلى مستويات أعلى إذا استمرت الأمطار بشكل معتدل.
على المستوى الوطني:
- الإمداد بالماء الشروب: أصبحت بعض المناطق قادرة على توفير احتياجات سنة كاملة.
- الطاقة الكهرومائية: ارتفاع منسوب السدود يعزز إنتاج الكهرباء النظيفة.
- الحماية من الفيضانات: اليقظة الاستباقية أصبحت ضرورية لتجنب الكوارث.
التحديات المستقبلية: من الوفرة إلى التدبير المستدام
رغم الفرحة بالأمطار، يحذر الخبراء من أن “من لا يحسن تدبير الندرة، لا يمكنه تدبير الوفرة”. التحدي الآن يكمن في:
- تجنب إهدار المياه عبر التصريف الزائد.
- تعزيز البنية التحتية للري الحديث والاقتصاد في الاستهلاك.
- تسريع مشاريع تحلية المياه وإعادة استعمال المياه المعالجة.
- مواجهة تغير المناخ الذي يجعل التساقطات غير منتظمة.
بارقة أمل لمستقبل مائي أفضل
ارتفاع نسبة ملء السدود إلى 59.6% ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو رسالة تفاؤل بعد سنوات عسيرة. التساقطات المطرية أعادت الأمل للمزارعين، دعمت الاقتصاد، وعززت الأمن المائي. مع اقتراب النسبة من 60%، يبقى الأمل معلقاً باستمرار هذا المنحى الإيجابي، مع ضرورة استغلال الوفرة بحكمة لضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.















