
المغرب.. إلغاء الحبس في “شيك الضمان” وأولوية التسوية على الزجر
في خطوة تُعد تحولاً جذرياً في السياسة الجنائية المغربية المتعلقة بالمعاملات التجارية، أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية جديدة في 4 فبراير 2026، تؤطر تطبيق المستجدات التي أدخلها القانون رقم 71.24 المعدل لمدونة التجارة (القانون 15.95). دخل هذا القانون حيز التنفيذ في 29 يناير 2026، ويُنهي فعلياً الحبس في قضايا شيك الضمان، ويفتح أبواب التسوية والصلح كبديل أساسي للمتابعات القضائية، مع الحفاظ على الردع في الحالات الخطيرة مثل التزوير.
هذا الإصلاح ليس مجرد تعديل تقني، بل يعكس رؤية جديدة ترمي إلى تعزيز الثقة في الشيك كأداة دفع آمنة، تقليص الاكتظاظ في السجون بسبب نزاعات مالية، وتشجيع التسوية الودية بين الأطراف لتجنب التصعيد القضائي الطويل والمكلف.
خلفية الإصلاح: من الزجر التلقائي إلى التوازن بين الحقوق
كان نظام الشيك في المغرب سابقاً يعتمد على عقوبات حبسية صارمة حتى في الحالات غير الإجرامية العمدية، مما أدى إلى آلاف القضايا السنوية وازدحام السجون بأشخاص تعثروا مالياً دون نية الغش. أدى ذلك إلى انتقادات واسعة من رجال الأعمال والمحامين، الذين اعتبروا أن الشيك تحول إلى “سلاح ابتزاز” بدلاً من أداة تسهيل التجارة.
جاء القانون 71.24 ليغير هذا المنطق جذرياً، معتمداً على مقاربة حديثة مستوحاة من التجارب الدولية (مثل فرنسا وإسبانيا)، حيث يُعطى الأولوية لـالإصلاح والتسوية قبل اللجوء إلى السجن. أكد هشام البلاوي، رئيس النيابة العامة، في الدورية الموجهة إلى جميع الوكلاء العامين والوكلاء بالمحاكم، ضرورة توحيد التطبيق القضائي وضمان الأمن القانوني للمواطنين والتجار.
أبرز المستجدات في الدورية والقانون الجديد
1. إلغاء الحبس في قضايا “شيك الضمان”
أحد أبرز التغييرات هو إلغاء العقوبة الحبسية تماماً في جنحة قبول الشيك على سبيل الضمان (أي الاحتفاظ بالشيك كضمان دون صرفه فوراً). أصبحت العقوبة الوحيدة غرامة تعادل 2% من قيمة الشيك أو الخصاص. هذا يُنهي حالة السجن بسبب ممارسة تجارية شائعة في بعض القطاعات، ويحمي الأطراف من المتابعة الجنائية غير المبررة.
2. شرط الإعذار قبل المتابعة
أصبح الإعذار شرطاً إلزامياً قبل إقامة الدعوى العمومية في جريمة إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها. يُمنح الساحب مهلة 30 يوماً (قابلة للتمديد) لتوفير المبلغ، مع إمكانية فرض تدابير مراقبة قضائية (مثل السوار الإلكتروني أو منع السفر) بدلاً من الحبس الاحتياطي. هذا يعطي فرصة حقيقية للتسوية قبل التصعيد.
3. التسوية والأداء يوقفان المتابعة
- إذا تم أداء قيمة الشيك أو التنازل من المستفيد، مع دفع غرامة 2% من المبلغ أو الخصاص، يصبح ذلك مانعاً من المتابعة أو سبباً لسقوط الدعوى العمومية.
- حتى بعد صدور حكم نهائي، يمكن إيقاف تنفيذ العقوبة الحبسية فور الأداء أو التنازل، مما يتيح الإفراج الفوري عن المحكوم عليهم.
- هذه الآلية تُطبق في جميع مراحل الدعوى: البحث التمهيدي، المحاكمة، أو تنفيذ العقوبة.
4. تشديد العقوبات في الحالات الخطيرة
للحفاظ على الردع، بقيت العقوبات صارمة في:
- التزوير أو التزييف للشيك: حبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تصل إلى 50 ألف درهم.
- إصدار شيك رغم المنع البنكي أو القضائي: عقوبات مشددة تصل إلى سنتين حبساً.
- جرائم المادة 316 من مدونة التجارة مستثناة من العقوبات البديلة، لضمان الطابع الردعي للأفعال التي تمس الثقة العامة في المعاملات.
5. توحيد التكييف القانوني
أصبح وصف الجريمة موحداً: “إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد أداء الشيك عند تقديمه“، لتجنب التضارب في التكييف بين المحاكم وضمان وحدة التطبيق القضائي.
الآثار المتوقعة على الاقتصاد والمجتمع
- تعزيز الثقة في الشيك: يصبح أداة دفع آمنة أكثر، خاصة في التجارة والعقار، حيث كان الخوف من السجن يدفع البعض إلى تجنب الشيكات.
- تخفيف الضغط على السجون: آلاف القضايا السنوية المتعلقة بالشيك بدون رصيد ستُحل ودياً أو بغرامات، مما يقلل الاكتظاظ.
- تشجيع التسوية: يصبح الصلح الجنائي القاعدة، مما يسرع حل النزاعات ويوفر الوقت والمال للأطراف.
- حماية الدائنين: الغرامة 2% والمهلة الممنوحة للساحب تضمن حقوق المستفيد مع إعطاء فرصة للمدين.
- استثناءات مهمة: لا يُطبق التجريم بين الأزواج أو الأصول والفروع في بعض الحالات، لتجنب استغلال الشيك في النزاعات العائلية.
توصيات للتجار والمواطنين
- للساحب: استغل المهلة والتسوية فوراً لتجنب المتابعة.
- للمستفيد: قدم إعذاراً رسمياً قبل الشكاية لتسريع التسوية.
- للمحامين: ركز على آليات الصلح والأداء لإنهاء القضايا بسرعة.
- للشركات: اعتمد الشيك بحذر أكبر، مع توثيق الاتفاقيات لتجنب النزاعات.
هذا الإصلاح يُعد خطوة متقدمة نحو عدالة اقتصادية متوازنة، تجمع بين حماية الدائن والمرونة مع المدين غير المتعمد. مع تطبيق الدورية فوراً، يبدأ عصر جديد للمعاملات التجارية في المغرب، يعتمد على الثقة والتسوية بدلاً من السجن التلقائي.















