
المغرب يبني مدينة سينمائية عملاقة بـ70 مليون يورو ضواحي الرباط.. مشروع “أركان ستوديو” يطمح لمنافسة هوليوود وأوروبا
في خطوة طموحة تعكس الرغبة المتزايدة في تحويل المغرب إلى قطب إقليمي وعالمي في صناعة السينما والإنتاج السمعي البصري، كشفت تقارير إعلامية فرنسية ومغربية عن مشروع ضخم يحمل اسمًا مؤقتًا هو “أركان ستوديو”، ويهدف إلى إنشاء مدينة سينمائية متكاملة على مساحة تقارب 80 هكتارًا بين الرباط والدار البيضاء. المشروع، الذي تقدر تكلفته الإجمالية بحوالي 70 مليون يورو، يُعد واحدًا من أكبر الاستثمارات الخاصة في قطاع الإنتاج السمعي البصري في تاريخ المغرب، ويأتي في وقت يشهد فيه البلد نموًا ملحوظًا في جذب الإنتاجات الأجنبية الكبرى.
خلفية المشروع: من ورزازات إلى مدينة سينمائية حديثة
المغرب ليس غريبًا على السينما العالمية. منذ عقود، أصبحت مدينة ورزازات – المعروفة بـ”هوليوود المغرب” – وجهة مفضلة لتصوير أفلام هوليوودية كبرى مثل Gladiator، Kingdom of Heaven، Game of Thrones، وأحدثها The Witcher وDune. استوديوهات Atlas Studios وOasis Studios قدمت بنية تحتية جيدة، لكنها ظلت محدودة في القدرة على استيعاب الإنتاجات الضخمة والمتوسطة في آن واحد، خاصة مع تزايد الطلب على خدمات ما بعد الإنتاج (post-production)، التدريب، والإقامة المتكاملة.
هنا يأتي دور أركان ستوديو لسد هذه الفجوة. المشروع لا يقتصر على بناء استوديوهات تصوير، بل يطمح ليكون مدينة سينمائية كاملة تشمل:
- استوديوهات تصوير داخلية وخارجية بمساحات هائلة
- مراكز ما بعد الإنتاج مجهزة بأحدث التقنيات (VFX، مونتاج، صوت دولبي أتموس، color grading)
- مدارس ومراكز تدريب مهني للشباب المغاربة في مجالات الإخراج، التصوير، الإنتاج، الـVFX والصوت
- فنادق ومنتجعات مخصصة لفرق الإنتاج الدولية
- مناطق أعمال ومكاتب لشركات الإنتاج العالمية
- مواقع تصوير خارجية متنوعة (صحراوية، جبلية، حضرية) داخل المجمع نفسه
من يقود المشروع؟ خديجة العلمي وK Films
المشروع يقوده خديجة العلمي، إحدى أبرز المنتجات المغربيات على الساحة الدولية. عملت العلمي كمنتجة تنفيذية في العديد من الأعمال العالمية الكبرى، وتمتلك شركة K Films التي تستثمر في المرحلة الأولى حوالي 18 مليون يورو. الخبرة الدولية للعلمي تمنح المشروع مصداقية كبيرة، خاصة في عيون المنصات العالمية مثل Netflix، Amazon Prime Video وDisney+، التي أبدت اهتمامًا مبكرًا بالمشروع.
كما يحظى المشروع بدعم شريك استراتيجي أمريكي هو MBS Group، وهي مجموعة متخصصة في إدارة وتشغيل الاستوديوهات والمنشآت السينمائية، مما يضمن نقل خبرات تشغيلية عالية المستوى.
التمويل والجدول الزمني
تُقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي 70 مليون يورو، وهي موزعة على مراحل:
- المرحلة الأولى (2026-2027): إنشاء أول استوديو رئيسي ومرافق ما بعد الإنتاج الأساسية بتمويل رئيسي من K Films (18 مليون يورو) وقرض بنكي مغربي.
- المراحل اللاحقة (2027-2030): توسيع المجمع ليشمل المدارس، الفنادق، المناطق الخارجية، مع مفاوضات جارية مع مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق الإيداع والتدبير (CDG) للمساهمة في التمويل.
الجدول الزمني المعلن:
- افتتاح أول استوديو جاهز للعمل: 2027
- اكتمال المشروع بالكامل: 2030
لماذا يأتي هذا المشروع في هذا التوقيت بالذات؟
المغرب يشهد في السنوات الأخيرة طفرة حقيقية في جذب الإنتاجات الأجنبية، وذلك لعدة أسباب:
- تنوع المواقع الطبيعية: من الصحراء إلى الجبال، المدن القديمة، الشواطئ، والمناظر الحضرية الحديثة في غضون ساعات قليلة.
- تكلفة إنتاج منخفضة مقارنة بأوروبا وأمريكا الشمالية (30-50% أقل في كثير من الحالات).
- حوافز ضريبية سخية: إعفاءات ضريبية تصل إلى 30-40% على الإنتاجات الأجنبية.
- استقرار سياسي وأمني مقارنة ببعض الدول المجاورة.
- قرب جغرافي من أوروبا (رحلات جوية قصيرة) ووجود طيران رخيص.
في 2024-2025، زاد عدد الإنتاجات الأجنبية في المغرب بنسبة كبيرة، وأصبحت الرباط والدار البيضاء وجهتين مفضلتين للتصوير الداخلي، بينما ظلت ورزازات مركزًا للتصوير الخارجي. مشروع أركان ستوديو يأتي ليكمل هذه المنظومة ويحول المغرب من “وجهة تصوير” إلى مركز إنتاج متكامل.
الآثار المتوقعة على الاقتصاد والشباب المغربي
- خلق فرص عمل: آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة في مجالات الإنتاج، التقنية، الضيافة، النقل، والخدمات.
- تدريب الشباب: إنشاء مدارس متخصصة ستساهم في تأهيل جيل جديد من المغاربة في مجالات الـVFX، الصوت، الإخراج، الكتابة السينمائية.
- جذب استثمارات أجنبية: وجود بنية تحتية عالمية المستوى سيجذب شركات إنتاج ومنصات بث كبرى لإقامة فروع أو شراكات دائمة.
- تعزيز الصورة الدولية: المغرب سيصبح مركزًا إقليميًا للسينما في إفريقيا والشرق الأوسط، منافسًا لدول مثل جنوب إفريقيا ومصر.
تحديات محتملة أمام المشروع
رغم الطموح الكبير، هناك تحديات يجب مواجهتها:
- التمويل: 70 مليون يورو مبلغ كبير، والاعتماد على شركاء دوليين قد يتأثر بالتقلبات الاقتصادية العالمية.
- المنافسة: دول مثل تركيا، جورجيا، المجر، ورومانيا تقدم حوافز مشابهة وبنية تحتية متطورة.
- التدريب والكفاءات: بناء جيل من المحترفين المغاربة يحتاج سنوات من التعليم والتدريب المكثف.
- الاستدامة البيئية: مشروع بهذا الحجم يحتاج تخطيطًا بيئيًا دقيقًا لتجنب التأثير السلبي على المناطق المحيطة.
خاتمة: خطوة نحو صناعة سينمائية مغربية عالمية
مشروع أركان ستوديو ليس مجرد استوديوهات جديدة، بل هو رؤية استراتيجية لتحويل المغرب من بلد يستضيف التصوير إلى دولة تصنع وتصدر الإنتاج السمعي البصري. مع دعم القطاع الخاص، الخبرة الدولية، والحوافز الحكومية، يمكن لهذا المشروع أن يضع المغرب على خريطة السينما العالمية بقوة غير مسبوقة.
إذا نجح المشروع في تحقيق أهدافه بحلول 2030، فقد نشهد انتقالًا حقيقيًا: من “المغرب وجهة تصوير” إلى “المغرب مصنع أحلام سينمائية”، وهو ما سيفيد الاقتصاد، الشباب، والثقافة المغربية على المدى الطويل.















