alalamiyanews.com

Al Alamaiya News

المغرب يفتتح عصر الجراحة الروبوتية من أكادير.. سابقة إفريقية بأيادٍ وطنية خالصة

0 Shares
70 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

في صباح يوم مشمس من أواخر يناير 2026، شهد المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بأكادير حدثاً طبياً تاريخياً لم يسبق له مثيل على مستوى القارة الإفريقية: الانطلاقة الرسمية لخدمات الجراحة الروبوتية داخل مؤسسة عمومية مغربية، باستخدام نظام Revo-i الكوري الجنوبي المتطور. لم يكن الأمر مجرد تركيب جهاز طبي جديد، بل كان إعلاناً عن دخول المغرب مرحلة جديدة من السيادة الصحية والابتكار الطبي، حيث أُجريت أولى العمليات الجراحية الروبوتية بأيادٍ مغربية خالصة، دون أي مساعدة أجنبية ميدانية، في سابقة تجعل من أكادير نقطة مرجعية قارية في هذا المجال.

الجراحة الروبوتية.. ثورة صامتة في غرف العمليات

تُعد الجراحة الروبوتية أحد أبرز تطورات الطب الحديث في العقدين الأخيرين. بدلاً من يد الجراح التي تهتز أحياناً أو تتعب، يتحكم الطبيب في أذرع روبوتية دقيقة للغاية، مزودة بكاميرات ثلاثية الأبعاد عالية الدقة (تصل إلى 10-12 ضعف دقة العين البشرية)، وأدوات تتحرك بـ7 درجات حرية – أكثر من حركة اليد الطبيعية. هذا النظام يقلل الارتعاش إلى حد شبه معدوم، ويسمح بإجراء شقوق صغيرة جداً (غالباً لا تتجاوز 8-10 ملم)، مما يعني:

  • فقدان دم أقل بكثير.
  • ألم ما بعد الجراحة أخف.
  • تعافي أسرع (غالباً خروج المريض خلال 24-48 ساعة بدلاً من أسبوع أو أكثر).
  • مضاعفات أقل (عدوى، فتق جداري، ندوب كبيرة).

نظام Revo-i – الذي اعتمده المغرب – يُعتبر من الجيل الثالث للروبوتات الجراحية، ويتميز بتكلفة تشغيل أقل مقارنة بنظام دا فينشي الأمريكي الشهير، مع الحفاظ على نفس مستوى الدقة والأمان.

أولى العمليات: ثلاث تخصصات رئيسية في يوم واحد

لم يقتصر الإطلاق على حفل رمزي، بل شهد المركز إجراء أولى العمليات الجراحية الروبوتية فعلياً بإشراف كفاءات مغربية رائدة:

  • الجراحة العامة (بقيادة الأستاذ مهدي الصوفي): استئصال أورام معقدة في البطن، وتدخلات على القنوات الصفراوية والكبد.
  • جراحة أمراض النساء والتوليد (تحت إشراف الأستاذ عبد الله الفاروقي): استئصال الرحم (هيستيركتومي) وعلاج بطانة الرحم المهاجرة بطريقة دقيقة للغاية.
  • جراحة المسالك البولية (بإشراف الأستاذ عماد زوزيو): استئصال جزئي للبروستاتا (prostatectomie partielle) مع الحفاظ على الأعصاب المسؤولة عن الانتصاب والتحكم في البول.

كل هذه التدخلات تمت بنجاح تام، وغادر المرضى غرفة الإنعاش في حالة مستقرة، مع توقعات تعافٍ أسرع بكثير مما كان متوقعاً في الجراحة التقليدية.

استثمار استراتيجي بقيمة 26.3 مليون درهم

بلغت كلفة اقتناء النظام وتجهيز غرفة العمليات الروبوتية 26 مليوناً و349 ألفاً و840 درهماً، وهو استثمار عمومي كبير يأتي في إطار البرنامج الوطني لتعزيز العرض الصحي بجهة سوس ماسة. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الرقم فقط، بل في:

  • تقريب العلاجات عالية الدقة من سكان جهة سوس ماسة، بدلاً من تنقلهم إلى الرباط أو الدار البيضاء أو حتى الخارج.
  • تقليص مدة الاستشفاء وبالتالي تخفيف الضغط على الأسرّة الاستشفائية.
  • جذب الكفاءات الطبية إلى المنطقة الجنوبية، وتحويل أكادير إلى قطب طبي إقليمي.
  • تدريب الأجيال الجديدة من الأطباء والممرضين على أحدث التقنيات.

الفريق المغربي: الكفاءة الوطنية تثبت نفسها

ما يميز هذا الإنجاز أنه تحقق بأيادٍ مغربية 100%. الفريق الذي أشرف على العمليات خضع لتكوين مكثف داخل المركز الاستشفائي الجامعي بأكادير، بدعم من برامج تدريبية معتمدة دولياً، دون الحاجة إلى وجود خبراء أجانب في غرفة العمليات يوم الإطلاق. هذا يعكس نجاح استراتيجية توطين الخبرة التي اعتمدتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية منذ سنوات.

الأطباء الثلاثة الرئيسيون – مهدي الصوفي، عبد الله الفاروقي، وعماد زوزيو – يمثلون جيلاً جديداً من الجراحين المغاربة الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي العالي والخبرة الميدانية، وقد أثبتوا أن الكفاءة الوطنية قادرة على التعامل مع أحدث التكنولوجيا الطبية بكل احترافية.

لماذا اختير أكادير؟ رؤية ملكية للعدالة المجالية

اختيار أكادير لاحتضان أول نظام جراحة روبوتية عمومي في إفريقيا لم يكن اعتباطياً. المدينة تمثل عاصمة جهة سوس ماسة، التي تضم أكثر من 3 ملايين نسمة، وكانت تعاني من نقص في العلاجات عالية التخصص. بإطلاق هذا المشروع، تتحقق الرؤية الملكية السامية لتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى الرعاية الصحية، وتقليص الفوارق بين الجهات.

كما أن الموقع الجغرافي لأكادير – قرب الموانئ والمطارات الدولية – يجعلها وجهة محتملة للسياحة العلاجية في المستقبل، خاصة مع تزايد الطلب على العمليات الروبوتية في أوروبا وإفريقيا.

الآفاق المستقبلية: أي مستقبل للجراحة الروبوتية في المغرب؟

مع هذا الإطلاق الناجح، يفتح المغرب الباب أمام توسع هذه التقنية في باقي المراكز الاستشفائية الجامعية الكبرى (الرباط، الدار البيضاء، فاس، مراكش). من المتوقع أن تشمل المرحلة المقبلة:

  • زيادة عدد التخصصات (جراحة الصدر، جراحة الأطفال، جراحة الرأس والعنق).
  • إنشاء مراكز تكوين وطنية لتدريب الجراحين والممرضين على الروبوت.
  • جذب شراكات دولية لتطوير البحث في مجال الجراحة الروبوتية.
  • إدراج هذه التقنية ضمن خدمات التأمين الإجباري عن المرض (AMO) لتخفيف العبء المالي على المرضى.

عندما يصبح الابتكار حقاً لكل المغاربة

إطلاق الجراحة الروبوتية في أكادير ليس مجرد إضافة تقنية إلى غرفة عمليات، بل هو إعلان عن تحول عميق في المنظومة الصحية المغربية. تحول يقوم على ثلاثة أركان: السيادة الطبية، العدالة المجالية، والثقة في الكفاءات الوطنية.

في قارة لا تزال تعاني في كثير من بلدانها من نقص حاد في الجراحين المتخصصين، يقدم المغرب نموذجاً يثبت أن الاستثمار في الصحة والتكوين يمكن أن يضع دولة متوسطة الدخل في صدارة الابتكار الطبي الإفريقي. ومع كل عملية روبوتية ناجحة في أكادير، يُكتب فصل جديد في قصة طموح المغرب نحو صحة أفضل لكل مواطنيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق