اليمن: تصعيد الحوثيين وتنافس اللاعبين الإقليميين

فى سياق التوترات الإقليمية المستمرة بالشرق الأوسط ، تظل الأزمة اليمنية هى أحد أبرز الصراعات التى تهدد الإستقرار على المستوى الإقليمى والدولى.
منذ إندلاع الثورة اليمنية فى عام 2011 وقد تطورت الأحداث إلى حرب أهلية معقدة،تخللتها تدخلات خارجية لتصبح اليمن واحدة من أكبر ساحات التنافس بين القوى الإقليمية مثل السعودية ،والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى،التى تدعم جماعة ” الحوثيين ” ، ليشهد اليمن تصعيداً جديداً فى ديسمبر الجارى من تقدم الحوثيين فى بعض المناطق مما يعمق الخلافات بين القوات المدعومة من السعودية والإمارات ،وقد إمتدت الهجمات الحوثية بالطائرات المسيرة إلى إسرائيل الأمر الذى قد يهدد الأمن الإقليمى بشكل كبير ويزيد من حدة التوترات فى البحر الأحمر.
هذا الصراع ليس مجرد نزاع داخلى بل يعكس تنافس أوسع بين الدول الخليجية مع تداعيات إقتصادية عالمية ،تتعلق بأمن الملاحة البحرية والنفط .
” خلفية الأزمة اليمنية ”
بدأت الأزمة اليمنية كجزء من موجة الربيع العربى فى 2011،إنتهت بسقوط الرئيس اليمنى الأسبق ” على عبدالله صالح فى 2012، وتولى الرئيس ” عبد ربه منصور هادى” السلطة على الرغم من هذا التغيير فى السلطة لكن ما سرعان أن تفاقم الأمر، وبعد سيطرة جماعة ” الحوثيين ” المدعومة من إيران على العاصمة ” صنعاء ” فى سبمتمبر 2014 ، مما دفع الرئيس اليمنى للفرار إلى عدن ومن ثم إلى الرياض فى مارس 2015،قامت السعودية والإمارات بتشكيل تحالف والقيام بعملية ” عاصفة الحزم ” لدعم الحكومة الشرعية ،مما حول الصراع إلى حرب إقليمية .
لتصبح اليمن مقسمة بين الحوثيون الذين يسيطرون على شمال اليمن معتمدين على الدعم الإيرانى فى شكل أسلحة وتدريب وإمدادت بطائرات مسيرة وصواريخ باليستية ، مما مكنهم من شن هجمات على السعودية والإمارات ، مع مرور السنوات إنقسمت الجبهة المعادية للحوثيين حيث برز المجلس الإنتقالى الجنوبى المدعوم من الإمارات الذى يسعى لإستقلال جنوب اليمن مقابل دعم السعودية للحكومة الشرعية ، أدى هذا الإنقسام إلى إشتباكات داخلية مثلما حدث فى عدن عام 2019 ، بالإضافة إلى ذلك فقد إمتد الصراع إلى البحر الأحمر منذ نوفمبر 2023 ، عندما بدأ الحوثيون فى مهاجمة السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل كرد على الحرب فى غزة مما أثار تدخلات دولية من الولايات المتحدة ،وبريطانيا من خلال ضربات جوية بحلول العام الجارى ،مما أدى إلى إنخفاض فى الهجمات الحوثية بنسبة كبيرة مقارنة بالعام الماضى لكن التوترات لا تزال قائمة .
لتصبح اليمن اليوم مقسمة لمناطق سيطرة ، الحوثيون فى الشمال ، الحكومة الشرعية فى الوسط ، والإنفصاليون فى الجنوب مع تدخلات خارجية تعقد الحلول.
” التطورات الآخيرة فى ديسمبر 2025 ”
شهدت اليمن تصعيداً ملحوظا خاصة مع تقدم الحوثيين فى بعض المناطق الشمالية مما أثار مخاوف من عودة القتال الواسع النطاق فى نوفمبر الماضى سيطرت فيه قبيلة هدراموت المدعومة من السعودية على أكبر منشأة فى اليمن ” بترومسيلة ” ، مطالبة بإيرادات أكبر مما يعكس التنافس الإقتصادى داخل التحالف.
هذا وقد سيطرت القوات الإنفصالية الجنوبية على منطقة نفطية رئيسية أخرى داعية الولايات المتحدة إلى شراكة ضد الحوثيين المدعومين من إيران محذرة من أن سيطرة الحوثيين على صنعاء ستستمر فى تهديد الملاحة البحرية بالبحر الأحمر ،كما إمتدت العمليات الحوثية إلى إسرائيل حيث نجحت فى إختراق الدفاعات الإسرائيلية فى سبتمبر من العام الجارى بطائرات مسيرة مما أسفر عن إصابة أكثر من 20 شخص فى إيلات .
فى ديسمبر الجارى أعلن الحوثيون تراجعهم عن هجماتهم على السفن فى البحر الأحمر لكن أكد تقارير إستخباراتية عن مقتل قائد عسكرى حوثى بارز ، وقد أثار وزير الإعلام اليمنى مخاوف من إنتاج الحوثيين لأسلحة كيماوية بإستخدام مواد مهربة من إيران ، بعد مصادرة شحنة أسلحة إيرانية كبيرة تحتوى على عوامل كيميائية .
التطورات الأخيرة أدت إلى عقد إجتماع سعودى إماراتى فى عدن فى 12 ديسمبر الجارى للتخفيف من حدة التوتر بالمنطقة أكدت السعودية دعمها للحكومة الشرعية بهذا الإجتماع الأمر الذى يعمق الخلافات .
فى سياق متصل أجرت الولايات المتحدة الأمريكية ، وبريطانيا ضربات جوية ضد الحوثيين حتى ينايرمن هذا العام ، مما أدى إلى مقتل 528 شخصاً باليمن ، مع زيادة الدوريات البحرية لمواجهة الهجمات على السفن التجارية .
مع إعلان المجلس الإنتقالى الجنوبى إستعداده للتعاون مع إسرائيل ضد الحوثيين مما يشير إلى تحولات فى التحالفات ، أدت هذه الأحداث لإرتفاع فى أسعار النفط العالمية وزادت تكاليف الشحن مع تجنب الشركات المضى من البحر الأحمر وإتخاذ طرق أطول والإلتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح .
” الدور الإقليمى والدولى ”
تلعب السعودية دوراً حاسماً فى هذه الأزمة كقائد للتحالف يرتكز على منع نفوذ إيران فى حدودها الجنوبية ،وقد انفقت مليارات الدولارات على العمليات العسكرية ، ومع ذلك تواجه تحديات داخلية مع الإمارات التى تدعم الإنفصاليين الجنوبيين لضمان نفوذها فى الموانىء الجنوبية مثل ” عدن ، وسقطرى ” ،الأمر الذى يعكس تنافس إقتصادى للسيطرة على طرق تجارة البحر الأحمر .
فى نفس السياق توفر إيران دعماً لوجيستياً وعسكرياً للحوثيين بما فى ذلك تهريب الأسلحة ،الأمر الذى يمكنهم من شحن هجمات بعيدة المدة ، هذا الدعم جزء من الإستراتيجة الإيرانية لمواجهة التحالف السعودى ،وإسرائيل .
أما عن الأخيرة فقد دخلت الصراع بشكل مباشر من خلال ضربات جوية ضد أهداف حوثية خاصة بعد الهجمات على إيلات مما يوسع الصراع إلى إبعاد إقليمية أوسع .
كما تدخلت الولايات المتحدة ،وبريطانيا من خلال عملية

لحماية الملاحة بينما يدعو مجلس الأمن إلى وقف إطلاق النار ، ومع ذلك فشلت المفاوضات فى تحقيق السلام الدائم مع إستمرار الإنتهاكات الإنسانية حيث يعانى 24 مليون شخص من نقص الغذاء والدواء .
” تأثير الوضع اليمنى على الأمن الإقليمى والبحر الأحمر “
أدى الصراع فى اليمن إلى تهديدات مباشرة للأمن الإقليمى خاصة فى البحر الأحمر الذى يمر من خلاله 12%من التجارة العالمية ، الهجمات الحوثية أدت إلى إرتفاع أسعار التأمين والشحن مع زيادة مخاطر إغلاق مضيق باب المندب ، مما يؤثر على الأمدادت النفطية إلى أوروبا وآسيا ، كما أثار التنافس السعودى الإماراتى مخاوف من تصعيد داخلى مع إحتمال تفكك اليمن دويلات مستقلة ، عن المستوى الإنسانى أدى الصراع إلى مقتل أكر من 400 الف شخص منذ 2015 ، مع إنتشار الأوبئة ،والمجاعة ،إقتصاديا إنخفض إنتاج النفط اليمنى بنسبة كبيرة مما يعمق الفقر .
” السيناريوهات المحتملة “
” تصعيد عسكرى ” : إذا إستمرت هجمات الحوثيين أو إستخدموا أسلحة كيميائية قد يؤدى ذلك إلى تدخل دولى ، أكبر بما فى ذلك ضربات إسرائيلية ، أو أمريكية واسعة النطاق ، مما يوسع الصراع إلى إيران .
” التفكك ” : مع سيطرة الإنفصاليين على الجنوب والقبائل على الشرق ، قد ينقسم اليمن إلى دويلات مستقلة ، الأمر الذى ينهى الحرب لكنه يعزز التنافس الإقليمى على الموارد .
” سلام مدعوم دولياً ” : إذا نجحت المفاوضات برعاية الأمم المتحدة مع ضغط على إيران والسعودية ، قد يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية لكن الأمر يتطلب تنازلات كبيرة من جميع الأطراف .
” الإستنزاف المستمر ” : الوضع القائم حاليا باليمن سيستمر مع هجمات متفرقة مما يؤدى إلى إضعاف الجميع دون حل مع تداعيات إقتصادية عالمية مستمرة .
فى نهاية الأمر تظل الأزمة اليمنية تعبيراً ن التنافسات الإقليمية الأوسع ، حيث يظل الحوثيون مع الدعم الإيرانى لهم لتحدى التحالف السعودى ، الإماراتى ، مما يهدد الأمن فى البحر الأحمر ويؤثر على الإقتصاد العالمى .
التطورات التى حدثت مؤخراً فى الشهر الجارى والتى تمثلت فى تراجع الهجمات الحوثية وسيطرة القوات الإنفصالية على المناطق النفطية تشير إلى تحول آخر لتوازن قوى جديد ، لكن مع التخوف من وجود أسلحة كميائية وتصعيد دولى ، فقد يتطلب الأمر حواراً شاملا يشمل جميع الأطراف .
مع كل ما سبق فإن التنافس الجيوسياسى يجعل السلام داخل اليمن بعيد المنال ، هل ستؤدى الضغوط الدولية إلى إجبار إيران على وقف دعمها للحوثيين ..؟؟ أم أن الصراع سيمتد إلى حرب إقليمية شاملة ..؟؟















