
تكنولوجيا مبتكرة تعيد الأمل لفاقدي البصر.. ابتكار يعتمد على النانوتكنولوجيا لتحفيز الشبكية
في عالم الطب الحديث، حيث يعاني ملايين الأشخاص من فقدان البصر بسبب أمراض تنكسية مثل الضمور البقعي واعتلال الشبكية الصباغي، يأتي ابتكار علمي جديد ليبعث الأمل في قلوب المتضررين. طور فريق بحثي دولي، بقيادة جامعة كوتش في تركيا، تكنولوجيا لاسلكية وآمنة تعتمد على البلورات النانوية لتحفيز شبكية العين، مما قد يساعد في استعادة بعض الوظائف البصرية دون مخاطر التقنيات التقليدية. نشرت الدراسة في مجلة Science Advances في 21 يناير 2026، وتُعد خطوة نوعية نحو علاجات أكثر فعالية وأماناً. في هذا المقال، نغوص في تفاصيل هذه التكنولوجيا، خلفيتها، آلية عملها، نتائجها التجريبية، وآفاقها المستقبلية، معتمدين على أحدث الدراسات العلمية لنقدم قيمة حقيقية تساعد القارئ على فهم كيف يمكن للنانوتكنولوجيا أن تغير حياة الآلاف.
خلفية المشكلة: أمراض الشبكية التنكسية وتحديات العلاج التقليدي
ما هي الأمراض التنكسية للشبكية؟
الشبكية هي الطبقة الداخلية للعين التي تحول الضوء إلى إشارات عصبية تنقل إلى الدماغ لتشكيل الصور. لكن في حالات مثل الضمور البقعي المرتبط بالعمر (AMD) واعتلال الشبكية الصباغي (RP)، تتدهور الخلايا الحساسة للضوء (الخلايا المخروطية والعصوية)، مما يؤدي إلى فقدان تدريجي للبصر. يصيب AMD أكثر من 200 مليون شخص حول العالم، خاصة كبار السن، بينما يؤثر RP على حوالي 1 من كل 4000 شخص، وغالباً ما يكون وراثياً. هذه الأمراض لا علاج شافياً لها حتى الآن، وتؤدي إلى عمى جزئي أو كامل، مما يؤثر على جودة الحياة اليومية.

التحديات في العلاجات الحالية
تشمل العلاجات التقليدية حقن الأدوية المضادة للالتهاب أو الجراحة لزرع أجهزة إلكترونية في الشبكية، مثل الأطراف الاصطناعية البصرية. ومع ذلك، تواجه هذه التقنيات عقبات كبيرة:
- الحجم الكبير والتعقيد: الأجهزة الحالية غالباً ما تكون كبيرة، مما يجعل الزرع جراحياً معقداً ويزيد من مخاطر الالتهاب أو رفض الجسم.
- الاعتماد على الضوء المرئي الشديد: بعض الأجهزة تستخدم ضوءاً مرئياً قوياً، الذي قد يسبب تلفاً إضافياً للأنسجة الحساسة.
- الكفاءة المحدودة: لا تستعيد هذه الأجهزة الرؤية الكاملة، بل توفر رؤية جزئية منخفضة الدقة، وتتطلب طاقة خارجية أو كابلات.
- التكلفة والتوافر: غالباً ما تكون هذه العلاجات باهظة الثمن وغير متاحة في الدول النامية.
هذه التحديات دفع العلماء إلى البحث عن حلول أكثر أماناً وكفاءة، مثل التقنية الجديدة التي تعتمد على النانوتكنولوجيا.
الابتكار التركي: نظام فوتوفولطائي نانوي لتحفيز الشبكية
آلية عمل التكنولوجيا
ابتكر الفريق البحثي، بقيادة البروفيسور سيدات نيزاموغلو من قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية في جامعة كوتش، نظاماً فوتوفولطائياً يعتمد على مصفوفة أسلاك نانوية من أكسيد الزنك (ZnO nanowires) المحسسة بـبلورات نانوية من كبريتيد الفضة-البزموت (AgBiS₂ nanocrystals). هذا النظام يحول الضوء تحت الأحمر القريب (NIR) – الذي يخترق الأنسجة بعمق دون ضرر – إلى نبضات كهربائية دقيقة تحفز الخلايا العصبية في الشبكية.
كيف يعمل؟
- امتصاص الضوء: تمتص البلورات النانوية الضوء NIR (حوالي 880 نانومتر) بكفاءة عالية (>10^5 سم^{-1}).
- توليد الشحنة: يحدث فصل للشحنات في وصلة النوع الثاني (type-II heterojunction) بين ZnO والـAgBiS₂، حيث تنتقل الإلكترونات إلى ZnO والثقوب إلى طبقة نقل الثقوب (P3HT).
- التحفيز الكهربائي: يولد هذا الفصل تياراً فوتوكهربائياً سعوياً (capacitive photocurrent) يصل إلى 3.27 ملي أمبير/سم² تحت شدة 89 ميلي واط/سم²، مما يحفز الخلايا العصبية دون حرارة زائدة (<0.1 درجة مئوية).

التصميم لاسلكي وفائق النحافة (حوالي 240 نانومتر للأسلاك)، مما يجعله متوافقاً حيوياً وسهل الزرع تحت الشبكية أو بالقرب منها، دون حاجة إلى كابلات أو بطاريات.
تحسينات التصميم
- طول الأسلاك النانوية: اختير 240 نانومتر لتحقيق أقصى تباعد (30 نانومتر) يعزز تركيز المجال الكهرومغناطيسي (FDTD simulations).
- طبقات البلورات: طبقات متعددة (حتى 6) لسمك 80 نانومتر، مع تبادل للروابط (ligand exchange) بيوديد لتحسين الاقتران.
- إلكترود العودة: طبقة روثينيوم أكسيد (RuO₂) بسماكة 72 نانومتر لتعزيز السعة (31.2 ميلي فاراد/سم²).
نتائج الدراسة: نجاح مذهل في نماذج الفئران
التجارب المخبرية
أجريت التجارب على نماذج شبكية خارج الجسم (ex vivo) من فئران مصابة بفقدان البصر (نموذج P23H لـRP). تم وضع الجهاز تحت الشبكية وقياس استجابات الخلايا العصبية القشرية (RGCs) باستخدام مصفوفة متعددة الأقطاب (MEA):
- الاستجابات: سجلت استجابات قوية ومتكررة (معدل إطلاق يصل إلى 81.83 هرتز) تحت نبضات NIR قصيرة (10 ميلي ثانية، شدة 2.27 ميلي واط/مم²).
- الدقة الزمنية: تأخر الاستجابة حوالي 100 ميلي ثانية، مع عدم وجود استجابات في الضوابط بدون الجهاز.
- التكرار: تحمل النظام أكثر من 20,000 دورة إضاءة دون انخفاض كبير (84% احتفاظ بالشحنة).

السلامة والتوافق الحيوي
- السمية: لا زيادة في الأكسجين المتفاعل (ROS) أو تغير في إمكانية غشاء الميتوكوندريا في خلايا عصبية أولية.
- الاستقرار: احتفاظ بـ79% من الشحنة بعد تعجيل الشيخوخة (ما يعادل 24 شهراً)، و87% بعد التعقيم.
- التوافق: زيادة في النشاط الأيضي للخلايا العصبية مقارنة بالأسطح التقليدية (ITO).
هذه النتائج تؤكد أن النظام آمن للاستخدام طويل الأمد، بخلاف التقنيات التي تعتمد على الضوء المرئي الشديد.
الآفاق المستقبلية: من المختبر إلى العيادة
التطبيقات في طب العيون
يمكن لهذه التكنولوجيا أن تكون بديلاً للأجهزة التقليدية مثل Argus II أو PRIMA، حيث توفر دقة أعلى وأماناً أكبر. قد تساعد في استعادة رؤية جزئية لملايين المصابين بـAMD وRP، خاصة في المراحل المتوسطة حيث تبقى بعض الخلايا العصبية سليمة.
استخدامات أوسع
يمتد الابتكار إلى مجالات أخرى:
- التحفيز العصبي: لعلاج اضطرابات الدماغ مثل الشلل أو الاكتئاب.
- الأعضاء الأخرى: مثل القلب (لتنظيم النبض) أو العضلات (للأطراف الاصطناعية).
- التقنيات الطبية العصبية: تطوير أجهزة لاسلكية للتحفيز الكهربائي في أي نسيج عصبي.
يخطط الفريق لتجارب سريرية بشرية، مع دعم من الحكومة التركية والمؤسسات الدولية.
خطوة نحو عالم أفضل لفاقدي البصر
هذه التكنولوجيا النانوية تمثل أملاً حقيقياً لملايين الذين يعانون من فقدان البصر، حيث تجمع بين الأمان، الكفاءة، والابتكار. كما قال البروفيسور نيزاموغلو في تصريح لـEurekAlert: “هذا النهج يمكن أن يفتح أبواباً جديدة لاستعادة الرؤية بطريقة آمنة وفعالة”. مع استمرار البحث، قد نرى قريباً تحولاً في علاج الأمراض التنكسية، مما يعيد للعديد من الأشخاص القدرة على رؤية العالم من جديد.















