
عندما يبكي وادي اللوكوس فوق القصر الكبير.. يجتمع المغرب على صدر أمه
بقلم : حليمة ابراهيم / المغرب
في قلب شمال المغرب، حيث يرقد وادي اللوكوس كشريان حياة وتاريخ، تحولت مدينة القصر الكبير في أواخر يناير 2026 إلى مسرح لكارثة طبيعية لم تشهد مثلها منذ عقود طويلة. أمطار غزيرة متواصلة، تجاوزت في بعض المناطق مقاييس مخيفة منذ الخريف، ملأت سد وادي المخازن إلى حد الامتلاء الكامل، فاضطرت السلطات إلى تصريف مياه استباقي لتجنب كارثة أكبر، مما رفع منسوب الوادي إلى مستويات قياسية. اجتاحت السيول أحياء بأكملها: حي الأندلس، والأحياء المنخفضة، والشوارع الرئيسية التي غدت بحيرات هائجة، فتحولت المدينة مؤقتاً إلى “مدينة أشباح”، مع إغلاق مداخلها وإجلاء عشرات الآلاف من السكان.
لكن وسط هدير المياه الغاضبة وصمت الشوارع الغارقة، برز المغرب بأبهى وأنبل صوره: شعب لا ينكسر أمام البلاء، ودولة تتحرك بسرعة البرق وإنسانية لا تُضاهى. تحت توجيهات سامية من جلالة الملك محمد السادس، الذي وضع سلامة شعبه فوق كل اعتبار، انتشرت القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي كجيش من الرحمة. وحدات الإنقاذ، غطاسو الدرك، الزوارق المطاطية، المروحيات، والطائرات عملت ليل نهار لإجلاء آلاف العائلات المحاصرة، نقل المسنين والأطفال والمرضى إلى بر الأمان. أكثر من 20 ألف مواطن تم إجلاؤهم بسلام، وأقيمت مراكز إيواء في ملعب عبد السلام الغريسي وغيره، مزودة بأكثر من 100 خيمة عسكرية، مطابخ ميدانية ساخنة، مرافق صحية، وفرق طبية تقدم الرعاية الفورية دون كلل.
ولم تقف الدولة وحدها؛ المغاربة أظهروا معدنهم النفيس الذي يلمع في أشد الظروف قتامة. متطوعون من كل الجهات – شبان يقودون سياراتهم الخاصة، نساء يعددن الطعام، رجال يخاطرون بحياتهم بدراجات مائية وقوارب صغيرة – انطلقوا لإنقاذ العالقين. جمعيات خيرية وأفراد عاديون تسابقوا في التبرعات: طعام، ملابس، أغطية، أدوية. على وسائل التواصل، تحولت هاشتاغات مثل #القصر_الكبير و#فيضانات_المغرب إلى منصات تضامن حيّة، تنشر صور الإغاثة، نداءات الاستغاثة، وقصص نجاة تذيب القلوب. حتى الحيوانات الأليفة والمواشي لم تُترك؛ فرق الإنقاذ أخرجتها من المياه الراكدة، فكأن الرحمة امتدت إلى كل كائن حي.
هذه ليست مجرد استجابة لكارثة؛ إنها شهادة حية على روح المغرب العميقة: التكافل الذي لا ينتظر الأضواء، التلاحم الذي يجمع الجميع كالبنيان المرصوص، والإيمان الراسخ بأن “يد الله مع الجماعة”. في زمن يتشتت فيه الناس، يجتمع المغاربة عند المصيبة كأنهم قلب واحد ينبض تحت راية واحدة: حماية الإنسان أولاً وأخيراً.
و الى كتابة هذه الاسطر، لا يزال الاستنفار قائماً بكامل قوته في القصر الكبير وشمال المغرب. الأمطار الغزيرة تتواصل، والتحذيرات الجوية تتجدد، ومنسوب الوادي لا يزال يهدد، فالسلطات تواصل عمليات الإجلاء والإخلاء الوقائي لأحياء جديدة، وتضع حواجز حديدية، وتدعو السكان إلى الخروج إلى مراكز الإيواء. القلق والترقب يخيمان، لكن معهما يزداد التضامن عمقاً، والجهود لا تهدأ، والأمل يبقى مشعاً بفضل يد الله ثم يد الإخوة المغاربة.
في هذه اللحظات الصعبة، يتجلى المغرب الحقيقي: أرض لا تخذل أبناءها، وشعب يصنع من كل محنة قوة، ومن كل تحدٍّ فخراً. تحت قيادة ملك يحمل هم شعبه في قلبه قبل عرشه، يثبت المغاربة أن التضامن ليس شعاراً عابراً، بل هو دم يجري في العروق، وروح لا تنطفئ.
اللهم احفظ المغرب و ملكه وأهله و ارضه من كل سوء، واجعل ما أصابهم رفعة في درجاتهم، وارفع عنهم البلاء برحمتك يا أرحم الراحمين. 🇲🇦 قلوبنا معكم، يا أهل القصر الكبير.. أنتم لستم وحدكم.















