
“ما بين الصورة والهيئة في الشخصية المحمدية” ..!!
بقلم/ د.محمد المنشاوي
توقفت كثيرأ عند كلماته صلى الله عليه وسلم لأصحابه فيما رواه أبو هريرة وأورده البخاري في صحيحه: “لستُ كهيئتكم أبيت عند ربي يطعمنى ويسقين”..
ولأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ، فإن تلفظ بلفظٍ أو كلمةً ، فعلينا أن نتوقف ونعي مدلول إختياره لها وما تعنيه ؟ وما يقصد بها ؟ وما الفرق بين الصورة والهيئة ؟ .. حتى إنني ألفت كتابًا تحت عنوان “محمدٌ (ص) بين الصورة والهيئة ” إستناداً إلى معاني كلمات هذا الحديث ..
وإن كانت حتى صورته البشرية ليست مماثلة لِما هو سائد في سمات الصور البشرية العادية، فلا تطابق بين البشر أصلًا ، والدليل أن الألماس والصخر كلاهما من صنف الحجر ، لكن هل الألماس كالصخر ؟؟ بالطبع لا !!! ، ولذلك فإن أسمى أياته صلى الله عليه وسلم أنه بشرٌ ..
ولغويًا فإن الصورة ، هي ما عليه الجسم وتراه العين للشكل الخارجي لهذا الشىء ، دون ظهور حقيقي لعمقه أو داخله أو باطنه ..
أما هيئة الإنسان وكما فهمنا من كلمات حضرته – أنها الحالة الباطنية للذات البشرية وشأنه مع الله وعلاقته كمخلوق بخالقه سبحانه لأنه أقدر على معرفة من خَلق ، وما أسبغه عليه من سمات وخصائص وقدرات لهذه الذات المخلوقه ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : لا يعرف قدري إلا ربي ..
ولأنه صلى الله عليه وسلم حاز الكمال في كل فضيلة وخُلُق من حيث الأخلاق والصفات والإيمان والعبودية والنبوة والرسالة ، وإن شئت القول : كمال العطاءات الإلهية التي تجلت في واحدٍ فقط من أصناف البشر ، فهو منهم صورة وليس منهم هيئة ، فإن هئية الرسول الأكرم ليست كهيئة غيره من البشر حتى وإن كانت صورته مماثلة لصورتنا البشرية ..
فمن هيئته صلى الله عليه وسلم أن الله قد أسبغ عليه صفات وقدرات إعجازية تتجاوز الإمكانيات البشرية العادية لأي مخلوق بشري آخر حتى أقرانه من الأنبياء السابقين ..
فصوته صلى الله عليه وسلم مُعْجِز ومشيته مُعْجِزة وملمسه مُعْجِز وطوله مُعْجِز وبنيانه الجسمانى مُعْجِز وحِلمه مُعْجز وأحواله مُعْجِزه وغير ذلك من السمات والأحوال والمقامات ..فهذه هيئته !! ..
ففي حجة الوداع التي حضرها نحو مائة وأربعة وعشرين ألفًا من المسلمين ، خطب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون مكبرٍ للصوت أو مذياع وكان صوته يصل إلى مسامعهم بوضوح ، حينما قال فيهم أيها الناس خذوا عني مناسككم لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا .. فهذه هيئته !! ..
ونحن الآن نستخدم مكبر صوت إذا تحدثنا في جمعٍ لا يتجاوز العشرين ، بل يجاهد المرء منا بالكاد لكى يسمع من يحدثه بجواره ..
ومشيته صلى الله عليه وسلم مُعْجِزة ، حتى أنه عندما كان يسير ومن حوله صحابته كانوا يهرولون للحاق به ، مع أنه كان يمشى بخطواته العادية ، حتى أن واحدًا مثل عمر بن الخطاب صاحب الساقين الطويلتين والبالغ طوله مترين وثلاثين سنتيمترا يقول : كنا نجاهد فى السير بجوار رسول الله لكى نلحق به .. فهذه هيئته !!..
والسبب أن الأرض كانت تتفاعل مع حضرته وتُطوى نفسها له من تحت قدميه فتُقصر له المسافة في السير بجوار أصحابه ، إكرامًا له وإحتفاءً منها به ..
وكان جسمه صلى الله عليه وسلم نورانياً مُعْجِزاً ، حتى أنه لا يترك ظلاً في ضوء الشمس كغيره من الأجسام الكثيفة الأخرى فلا ظل له .. وهذه هيئته !! ..
وكان مَلْمَسهُ مُعْجزاً حتى أن قدميه الشريفتين لا تترك أثرًا على الرمل كغيره من البشر ، لأنه ليِّن فوق ليِّن ، غير أنها كانت تُعَلِم على الحجر ، والسبب أن الحجر كان يلين تحت قدميه الشريفتين لأنه رحمةٌ.. وهذه هيئته !! ..
وكان الماء ينبع من بين أنامله الشريفة ليشرب الناس عندما يشح الماء ، فعندما عطش جنود الجيش أجرى الماء بين أصابعه فشرب الجنود ، وتكرر ذلك كثيرًا ، فالماء والطعام القليل ، كان يزداد ويكثُر بين يديه .. فهذه هيئته !!..
وكان يكلم الأعاجم من الطيور والحيوانات والجماد ويردون عليه، مثل ذلك الضب الذى رد عليه بلسان عربي فصيح سمعه الجمعُ من حوله ، فعندما تحداه رجل من بني سُلَيِّم أنه لن يؤمن به حتى لو نطق هذا الضب الذى كان معه وطرحه أمامه ، فقال النبي للضب : مَنْ تعبد يا ضب ؟ رد بلسان فصيح سمعه الجميع بمن فيهم القرشي المشرك ، أعبد مَنْ في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة ثوابه وفي النار عقابه ، قال له : ومَنْ أنا يا ضب ؟ قال : رسول الله وقد فاز مَنْ صدقك وخاب مَنْ كذبك .. ولهذا قِيلت عبارة : صلوا على مَنْ كلمه الضب بين أصحابه الأعلام.. فهذه هيئته !!..
وكان هناك من الأحجار ما يسلم عليه عندما يمر بها ، حيث قال صلى الله عليه وسلم: أعرف حجرًا بمكة كان يسلم علىّ قبل البعث ويقول السلام عليك يا رسول الله !!..
وعن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنت برفقة رسول الله في أزقة مكة ، سمعت حجرًا يسلم عليه قائلًا: السلام عليك يا رسول الله.. فهذه هيئته !! ..
وأمثلة كثيرة لا يتسع المكان لها تدلل على ما تنطوى عليه هيئته صلى الله عليه وسلم من سمات وقدرات مُعْجِزه وتؤكد أنه وإن كانت صورته من صنف البشر إلا أن هيئته النورانية يتفرد بها وحده وصدق إذ يقول : لست كهيئتكم… فلأنه رسول مَنْ ليس كمثله شىء ،فهو مخلوق ليس كمثله مخلوق …



















