alalamiyanews.com

العالمية نيوز

مصر وإعادة توجيه “بوصلة” الإدارة الأميركية

0 Shares
11 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: د. محمد المنشاوي

نجحت مصر على مدى العامين الماضيين وبالتحديد منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى توقيع إتفاق سلام شرم الشيخ، في إعادة توجيه “بوصلة” الإدارة الأميركية تجاه منطقة الشرق الأوسط، وأجهضت المخططات الإقليمية والدولية التي استهدفت إسقاطها والزج بها في دوامة الاقتتال والخراب، وتعطيل التنمية وتصفية القضية الفلسطينية.

فسيادة الدول والحفاظ عليها والدفاع عنها، لم تُعد فقط من خلال حدودٍ مرسومة على الخرائط الجغرافية والارتكان إلى القونين الدولية، أو بامتلاك ثروات مالية يتم توظيفها، بل من خلال سيادة واستقلال القرار الوطني للدول، والتمسك به والإصرار عليه وإجبار الآخرين على الإذعان لإرادته الوطنية، لا سيما إذا توفر الظهير الشعبي والقوة العسكرية الحديثة المساندين لصانع القرار.

لتخرج مصر، وباعتراف دولي حاشد (34 دولة) في شرم الشيخ من حرب غزة وعواقبها الوخيمة، أقوى مما كانت عليه في بداية الأزمة، بل وتكون المنتصر الحقيقي في ظل مناخ قاتم حالك السواد ولتتراجع – وهو الأهم– كل الدول “الوظيفية” ومشاريعها ضد مصر في هذا الإقليم.

وتكون النتيجة: إن الحرب التي كان من المفترض أن تكون النهاية لمصر والتخلص من ريادتها، تخرج القاهرة منها أقوى مما كانت عليه قبل ذلك، بل وتكون النهاية- حتى لتلك الحرب- على أرضها وداخل أروقة مدينة مصرية (شرم الشيخ)، عندما اصطف رئيس أكبر دولة في العالم برفقة زعماء قوى دولية كبرى خلف قيادة مصر، في مجابهة سياسات هذه الدول “الوظيفية” وأصحاب المخططات الإقليمية الصهيونية والتركية والإيرانية و”البعضوية”.

تحقق ذلك، عندما نجحت القاهرة في إعادة توجيه “بوصلة” الإدارة الأميركية التي كانت قد أعلنت، في يناير الماضي، أنها مع التهجير وأنها التي ستحكم قطاع غزة وستقيم عليه مشاريع استثمارية وعقارية وسياحية، لتقف مصر وقتها بمفردها في محيطها الإقليمي رافضةً لهذا كله، ولتؤكد أن ما يجري ما هو إلا ظلمُ للفلسطينيين لن تشارك فيه.

في وقت اتجه فيه البعض لدعم مخططات التهجير وممالأة الإدارة الأميركية، ومخاطبة وُدها تجنباً لغضبها، بدلاً من الوقوف بجانب مصر في هذه الظروف القومية الصعبة، تجاه ما تُعتبر قضية العرب الأولى، حسبما تنص عليه سرديات القومية العروبية.

فقد استهدف البعض التخلص من دور مصر الإقليمي وأفول نجمها على غرار ما حدث لها بسبب حرب يونيو 67، أملا في تصاعد نجوم أخرى في الإقليم، خشية من أن الصعود المصري في السنوات الأخيرة، قد أصبح مصدر إرهاق وقلق لهذه الدول “الوظيفية”، خاصة وأن مصر دولة كبيرة يخشاها الجميع برغم مشكلاتها الاقتصادية.

ولهذا كان طبيعياً أن يتسابق البعض إلى تقديم التريليونات إلى ترامب لتوجيهه والتأثير عليه وحَملِه بعيداً عن مصر، على أمل إعلان الوفاة للدور المصري وتهميشه، توطئة لعدم الاستعانة بها أو التعويل عليها في رسم سياسات الإقليم.

غير أن إدارة الرئيس ترامب قامت خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت التوقيع، على إتفاق سلام شرم الشيخ بعمل مراجعة شاملة سريعة للعلاقات مع مصر، في ظل انشغال واشنطن بالصين الخطر الأكبر بالنسبة لها.

لتدرك الولايات المتحدة ورئيسها أن مصر لا غنى عنها، بل وباركت الزعامة المصرية في الإقليم، ولم تكن أميركا وحدها بل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا، وجاء اتفاق شرم الشيخ، كما لو كان “إعلان تنصيب” مصر لزعامة الشرق الأوسط، لتنهار كل المشاريع الاقليمية الصهيونية والتركية والإيرانية و”البعضوية” والإخوانية، وتبقى مصر عظمى وإسرائيل صغرى، والقضاء على ما يسمى بمشروع إسرئيل الكبرى.

فقد اعترفت أميركا ترامب علناً ولأول مرة منذ سنوات، أن القاهرة أصبحت العاصمة السياسية للإقليم، وانه لا يوجد ملف من ملفات هذه المنطقة يحتاج لأن يُغلق من دون أن تكون للقاهرة بصمة في التوقيع عليه أو مباركته على الأقل.

وجاء إتفاق سلام شرم الشيخ بمثابة الضربة القاصمة لكل المشاريع البديلة الطامحة، وفي النهاية وصلت مصر في السباق لخط النهاية، في وقت اكتفى فيه الآخرون بالوقوف مكانهم يتفرجون.

ففي غضون 6 شهور يأتي العالم كله إلى مصر في ظل غياب البعض، ومن دون أن تدفع دولاراً، وسط همس الخبثاء  بوجود دافع المنافسة غير السليمة والغيرة غير الصحية وراء هذا “الغياب” بدافع العقد التاريخية والشخصنة.

فليس ذنب مصر أنها دولة محورية وأن شروط الزعامة لا تنطبق على أي دولة في المنطقة إلا مصر. وليس ذنب مصر أن الثروات وحدها لا تصنع  الزعامات ولا القيادات ولا السيادات، وليس ذنب مصر أن تاريخها يثير الأوجاع لدى البعض.

فقد اعتقد الإسرائيلي أن الحرب ستخرج مصر من المعادلة، واعتقد  الإيراني في التعويل على أن محور المقاومة سينتصر،  وتصور التركي أن حِلمه قد تحقق بمد نفوذه إلى البحر الحمر، وتصور “البعضوي” أن الأمل بات وشيكاً في خلق قيادة جديدة “بالفلوس”! ليكتشف الجميع أن الزعامة ليست بالمال بل بالقرار المستقل والقدرة على فرض معادلات جديدة، وهذا ما فعلته مصر في التعامل مع الأزمة وتهور الآخرين لتربك حساباتهم وتفسد مخططاتهم ومشاريعهم.

والحقيقة التي يعلمها العالم، أن خطة سلام ترامب لم تكن سوى الخطة المصرية للسلام في غزة، فعلى الجميع أن يعلم أن مَنْ يتحدى مصر يتحدى التاريخ، ومن يتحدى التاريخ يكتوي بنيران صفحاته ولسعات سطوره.

وتبقى كلمة أخيرة، إلى المخدوعين بيننا نتيجة الضغوطٍ النفسية عليهم بسبب الأزمة الاقتصادية، بتصديرهم للإحباط وفقدان الشغف بالإنتماء الوطني ومحاولة تسفيه الإحساس بالوطنية أن يستفيقوا بالانضمام إلى يقظة القيادة السياسية الرشيدة إعلاءً لمصلحة الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق