
الاتحاد الأوروبي يصادق رسمياً على تحديث اتفاقية الشراكة التجارية مع المغرب.. انتصار اقتصادي للأقاليم الجنوبية
في خطوة ذات دلالات اقتصادية وسياسية عميقة، أقر الاتحاد الأوروبي رسمياً تحديث اتفاقية الشراكة التجارية مع المملكة المغربية، ونشر القرار في الجريدة الرسمية للاتحاد (السلسلة L) يوم الأربعاء 28 يناير 2026. يحمل القرار الرقم 2026/242، ودخل حيز التنفيذ بأثر رجعي اعتباراً من 3 أكتوبر 2025، تاريخ توقيع الاتفاق المحدث.
هذا التصديق ليس مجرد إجراء إداري روتيني، بل يمثل تتويجاً قانونياً وتجارياً لسنوات من المفاوضات والجهود الدبلوماسية المغربية، ويعزز بشكل مباشر اندماج الأقاليم الجنوبية في الفضاء الاقتصادي الأوروبي، ويمنح منتجاتها معاملة تفضيلية واضحة ومستدامة في واحدة من أكبر الأسواق العالمية.
خلفية الاتفاقية ومسار التعديل
تعود جذور الشراكة التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي إلى اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية الموقعة عام 2000، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 2000، ثم تم توسيع نطاقها تدريجياً لتشمل قطاعات الفلاحة والصيد البحري والخدمات.
في عام 2019، أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكماً أثار جدلاً حول شمول الأقاليم الجنوبية في الاتفاقية دون موافقة صريحة من “سكان الصحراء الغربية”. استجابة لذلك، أعادت المفوضية الأوروبية والمغرب فتح المفاوضات لتحديث قواعد تحديد المنشأ وآليات التعاون الجمركي، مع الحرص على احترام الأحكام القضائية الأوروبية.
بعد جولات مكثفة، تم التوصل إلى اتفاق محدث في أكتوبر 2025، يعالج الملاحظات القضائية ويؤكد في الوقت ذاته استمرارية المعاملة التفضيلية للمنتجات القادمة من العيون، الداخلة، الساقية الحمراء ووادي الذهب.
أبرز التعديلات التي أدخلها القرار 2026/242
يحتوي القرار على مجموعة من التعديلات الدقيقة والملزمة التي تهدف إلى تبسيط التبادل التجاري وضمان الشفافية:
- تحديث قواعد المنشأ تم تعديل بروتوكول قواعد المنشأ ليصبح أكثر مرونة ووضوحاً، مع الحفاظ على المعايير الأوروبية الصارمة.
- إدراج التسميات الجهوية الرسمية أصبح من الممكن الآن إدراج أسماء العيون – الساقية الحمراء، الداخلة – وادي الذهب، وغيرها من التسميات الإدارية الرسمية في خانة الملاحظات على شهادات EUR.1 والتصريحات على الفاتورة.
- آليات إثبات المنشأ المبسطة تم تحديث النماذج والإجراءات الجمركية لتسهيل إثبات المنشأ عبر جميع الوثائق الأوروبية ذات الصلة، مما يقلل من التكاليف والتأخيرات.
- استمرارية المعاملة التفضيلية تستمر المنتجات الفلاحية ومنتجات الصيد البحري القادمة من الأقاليم الجنوبية في الاستفادة من نفس الحصص والإعفاءات الجمركية الممنوحة لباقي المنتجات المغربية.
القطاعات الأكثر استفادة من الاتفاقية المحدثة
تتركز الفائدة الاقتصادية على ثلاثة قطاعات رئيسية:
- الفواكه والخضروات يُعد المغرب أكبر مورد خارجي للفواكه والخضروات إلى الاتحاد الأوروبي. الداخلة والعيون تشهدان نمواً سريعاً في زراعة الطماطم المحمية، البطيخ، التوتيات، الحمضيات المبكرة والمتأخرة. الاتفاقية تضمن استمرار الوصول الممتاز إلى السوق دون عوائق جمركية إضافية.
- الصيد البحري تُشكل موانئ الداخلة والعيون مركزاً رئيسياً للصيد في المياه الباردة الغنية بالأسماك. الاتفاق يحافظ على الحصص التفضيلية للأسماك المجمدة والطازجة والمعلبة، ويعزز القدرة التنافسية أمام المنافسين الآسيويين واللاتينيين.
- المنتجات المصنعة والتجهيزات بدأت بعض الوحدات الصناعية في الأقاليم الجنوبية (تجهيز الأسماك، تعليب الخضروات، تصنيع الأعلاف) في الاستفادة من قواعد المنشأ الميسرة لتصدير منتجاتها إلى أوروبا بتكاليف أقل.
دلالات التصديق على المستويين الاقتصادي والسياسي
يحمل هذا القرار دلالات متعددة:
- اقتصادياً يوفر استقراراً قانونياً طويل الأمد للمصدرين المغاربة، ويشجع الاستثمار الأجنبي (خاصة الأوروبي) في الأقاليم الجنوبية.
- سياسياً يمثل تأكيداً أوروبياً عملياً على اندماج الأقاليم الجنوبية في الإطار الاقتصادي المغربي، ويعزز الاعتراف الضمني بالسيادة المغربية على المنطقة من خلال الإجراءات الجمركية والتجارية.
- دبلوماسياً يأتي بعد سلسلة من المواقف الداعمة من دول أوروبية كبرى (فرنسا، إسبانيا، ألمانيا، هولندا…)، مما يعكس اتساع الإجماع الأوروبي حول الموقف المغربي.
التأثير المتوقع على التنمية في الأقاليم الجنوبية
مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ، يتوقع الخبراء:
- زيادة حجم الصادرات الفلاحية والبحرية بنسبة تتراوح بين 12–18% خلال السنوات الثلاث المقبلة.
- جذب استثمارات أوروبية جديدة في مجالات الزراعة المحمية، تجهيز الأسماك، الطاقة المتجددة، واللوجستيك.
- خلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، خاصة للشباب والنساء.
- تعزيز الثقة في النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015.
خطوة نحو شراكة أعمق وأكثر استدامة
تصديق الاتحاد الأوروبي على الاتفاق المحدث ليس مجرد إجراء فني، بل هو رسالة ثقة في الاقتصاد المغربي، واعتراف عملي بجهود التنمية التي تبذلها المملكة في أقاليمها الجنوبية.
في زمن يعاني فيه العالم من اضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع التكاليف، يؤكد هذا الاتفاق أن المغرب يبقى شريكاً موثوقاً ومستقراً لأوروبا، وأن الأقاليم الجنوبية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذه الشراكة الاستراتيجية.
مع استمرار هذه الدينامية، يتجه المغرب نحو تعزيز مكانته كقطب اقتصادي إقليمي، بينما يجد الاتحاد الأوروبي فيه بوابة آمنة ومستدامة نحو إفريقيا.















