
الرباط.. إنجاز طبي تاريخي.. استبدال صمام رئوي عبر القسطرة لأول مرة في المغرب دون فتح الصدر
في خطوة طبية غير مسبوقة على المستوى الوطني، نجح فريق طبي متخصص في المستشفى الجامعي للقرب (مديكس) بالرباط – التابع لمؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة – في إجراء عملية استبدال صمام رئوي عبر القسطرة دون أي تدخل جراحي تقليدي، وذلك لشاب يبلغ من العمر 23 سنة يعاني من اعتلال قلبي خلقي يسبب الزرقة. العملية، التي أُجريت مؤخراً، تُعد نقلة نوعية في مجال جراحة القلب التداخلية بالمغرب، وتفتح آفاقاً جديدة لعلاج الحالات عالية المخاطر التي كانت تتطلب سابقاً جراحة قلب مفتوح مع كل ما يرافقها من مخاطر وفترة نقاهة طويلة.
تفاصيل العملية: تقنية دقيقة وأقل إجهاداً للمريض
تم إجراء العملية بطريقة القسطرة عبر الجلد، حيث أُدخلت القسطرة من منطقة الفخذ لتصل مباشرة إلى القلب دون الحاجة إلى فتح الصدر أو استخدام جهاز القلب-الرئة. هذه التقنية – المعروفة عالمياً باسم Transcatheter Pulmonary Valve Replacement (TPVR) – تُعتبر من أحدث التطورات في مجال القسطرة القلبية، وتوفر مزايا كبيرة مقارنة بالجراحة التقليدية:
- تقليل الألم بشكل كبير بعد العملية.
- تسريع التعافي؛ حيث يغادر المريض المستشفى في غضون أيام قليلة بدلاً من أسابيع.
- خفض مخاطر العدوى والنزيف والمضاعفات الجراحية.
- تجنب الندوب الكبيرة والآثار النفسية لجراحة القلب المفتوح.
وبحسب الدكتور عبد المجيد موساوي، أخصائي التخدير والإنعاش والمدير الطبي لمستشفى مديكس، فإن نجاح العملية يعود إلى:
- تعبئة فريق متعدد التخصصات يضم أطباء قلب تداخليين، أخصائيي تخدير، تقنيي قسطرة، وممرضين ذوي خبرة عالية.
- توفر تجهيزات تقنية مطابقة لأعلى المعايير الدولية.
- تنسيق دقيق بين الفرق الطبية والجراحية لضمان سلامة المريض في كل مرحلة.
حالة المريض: قصة معاناة تحولت إلى أمل
الشاب البالغ من العمر 23 سنة كان يعاني من خلل خلقي في الصمام الرئوي منذ الطفولة، حيث خضع لجراحة قلب في سن الثالثة. مع مرور الزمن، تسبب الخلل في توسع كبير في البطين الأيمن، مما أدى إلى ضعف في وظيفة القلب وزيادة في الزرقة والإرهاق. الخيار التقليدي كان يتطلب إعادة جراحة قلب مفتوح مع إصلاح المنطقة المحيطة بالصمام ثم زرع صمام جديد – عملية معقدة للغاية في مثل هذه الحالة بسبب الالتصاقات والتغيرات التشريحية الناتجة عن الجراحة السابقة.
وبعد مشاورات معمقة بين الفريق الطبي، تقرر اللجوء إلى الطريقة التداخلية كبديل أكثر أماناً وأقل خطورة. وأكد الدكتور وجيه معزوزي، أخصائي جراحة القلب والشرايين، أن هذا القرار كان نتيجة تقييم دقيق للمخاطر والفوائد، مشيراً إلى أن التقنية أثبتت فعاليتها عالمياً في حالات مشابهة.
من جهته، أوضح الدكتور المهدي معزوزي أن الجراحة الكلاسيكية تتطلب إعادة ترميم المنطقة المستهدفة ثم تهيئة بنية القلب قبل الزرع، وهو ما يرفع من تعقيد العملية ومخاطرها. أما الطريقة عبر القسطرة فتتيح زرع الصمام مباشرة في المكان المطلوب بأقل تدخل ممكن.
دور مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة: تمويل كامل وتكفل تضامني
تم تمويل العملية بالكامل من طرف مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة، في إطار التزامها بتوفير ولوج عادل إلى الطب المتقدم. وأكد الدكتور موساوي أن المؤسسة عبأت كل الإمكانيات البشرية والتقنية لإنجاح هذا الإنجاز، مشدداً على أن الهدف ليس فقط العلاج، بل أيضاً التضامن مع الحالات المعقدة التي قد لا تتحمل تكاليف مثل هذه التقنيات الباهظة.
هذا النهج يعكس استراتيجية المؤسسة في دمج الابتكار مع التميز العلمي والتضامن الاجتماعي، وهو ما جعلها قادرة على إجراء عمليات كانت محصورة سابقاً في المراكز الأوروبية والأمريكية الكبرى.
دلالات الإنجاز على المستوى الوطني والإقليمي
هذه العملية ليست مجرد إجراء طبي ناجح، بل تمثل عدة رسائل قوية:
- تقدم الطب التداخلي في المغرب أصبح المغرب قادراً على إجراء أكثر العمليات تعقيداً في مجال القلب دون الحاجة إلى السفر للخارج.
- تقليص الفجوة مع الدول المتقدمة التقنية المستخدمة (مثل صمامات Melody أو Harmony أو ما يعادلها) كانت حتى وقت قريب محصورة في مراكز قليلة عالمياً.
- تأثير اقتصادي واجتماعي تقليل تكاليف العلاج طويل الأمد، تسريع عودة المريض إلى حياته الطبيعية، وتوفير موارد المستشفيات.
- نموذج للاستثمار في الصحة يثبت أن الاستثمار في التجهيزات الحديثة والتكوين المستمر يؤدي إلى نتائج ملموسة في خدمة المواطنين.
شهادات الفريق الطبي: فخر ومسؤولية
أعرب الدكتور وجيه معزوزي عن فخره بالفريق الذي ضم أطباء وتقنيين وممرضين عملوا بتناغم استثنائي، مشيراً إلى أن نجاح العملية يعود إلى التنسيق والتدريب المستمر. أما الدكتور المهدي معزوزي فقد وجه شكراً خاصاً للمؤسسة على توفير المعدات والظروف الملائمة، مؤكداً أن هذا الإنجاز يفتح الباب أمام المزيد من الحالات المشابهة.
مستقبل جراحة القلب التداخلية في المغرب
مع هذا الإنجاز، يتوقع الخبراء أن يتوسع استخدام تقنيات القسطرة القلبية في المغرب، خاصة في:
- استبدال الصمامات الأبهري والرئوي والتاجي عبر القسطرة.
- إغلاق الثقوب القلبية الخلقية دون جراحة.
- علاج تضيق الشرايين التاجية والرئوية بطرق أقل تدخلاً.
كما يُنتظر أن يصبح مديكس مركزاً إقليمياً للتكوين في هذا المجال، مما يعزز مكانة المغرب كوجهة طبية متقدمة في إفريقيا والعالم العربي.
حين يصبح الابتكار الطبي أملاً حقيقياً
عملية استبدال الصمام الرئوي عبر القسطرة في الرباط ليست مجرد خبر طبي، بل هي قصة أمل تحولت إلى واقع. شاب في مقتبل العمر كان يواجه مصيراً صعباً، وجد في الطب المغربي المتطور حلاً أنقذ حياته دون أن يضطر إلى تحمل مخاطر الجراحة الكبرى. هذا الإنجاز يجسد التزام مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة بجعل الطب المتقدم في متناول الجميع، ويؤكد أن المغرب قادر على مواكبة أحدث التطورات العالمية في مجال الرعاية الصحية.















