
بوريطة في واشنطن..المغرب يعزز موقعه في سباق المعادن الاستراتيجية العالمي
في خطوة تؤكد الدور المتزايد للمغرب على الساحة الدولية، شارك ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، يوم الأربعاء 4 فبراير 2026، في الاجتماع الوزاري حول المعادن الاستراتيجية الذي احتضنته العاصمة الأمريكية واشنطن. الاجتماع، الذي نظمه ماركو روبيو، كاتب الدولة الأمريكي للشؤون الخارجية، جمع وزراء خارجية وكبار مسؤولين من أكثر من 50 دولة، وشهد حضوراً رفيع المستوى بمشاركة نائب الرئيس الأمريكي جي. دي. فانس في الجلسة الافتتاحية.
هذا اللقاء لم يكن مجرد منتدى دبلوماسي روتيني، بل يمثل محطة حاسمة في السباق العالمي لتأمين سلاسل التوريد للمعادن الحيوية التي أصبحت عماد الاقتصاد الأخضر، التحول الرقمي، والصناعات العسكرية المتقدمة. في هذا التقرير، نستعرض أبعاد المشاركة المغربية، أهمية المعادن الاستراتيجية في السياسة الدولية الحالية، والدور الذي يلعبه المغرب كلاعب موثوق في هذا المجال.
المعادن الاستراتيجية: وقود الاقتصاد الجديد
تشمل المعادن الاستراتيجية (أو المعادن الحرجة Critical Minerals) مجموعة من العناصر النادرة والأساسية مثل الليثيوم، الكوبالت، النيكل، الجرافيت، النحاس، المنغنيز، الأرضيات النادرة (Rare Earth Elements)، وغيرها. هذه المواد ضرورية لصناعة:
- البطاريات الكهربائية (السيارات الكهربائية، تخزين الطاقة المتجددة)
- التوربينات الريحية والألواح الشمسية
- الإلكترونيات المتقدمة (الهواتف، الحواسيب، الرقائق الإلكترونية)
- التكنولوجيا العسكرية والفضائية
مع تزايد الطلب العالمي على الطاقة النظيفة والتكنولوجيا الرقمية، أصبحت سلاسل التوريد لهذه المعادن نقطة ضعف استراتيجية كبرى. اليوم، تسيطر الصين على أكثر من 60–80% من معالجة وتكرير معظم هذه المعادن، مما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين إلى البحث عن تنويع المصادر وإقامة شراكات موثوقة مع دول تمتلك موارد أو موقعاً جيوسياسياً استراتيجياً.
دور المغرب في خريطة المعادن الحرجة
يحتل المغرب موقعاً متميزاً في هذا السياق بفضل موارده الطبيعية وموقعه الجغرافي. إليك أبرز نقاط القوة:
- الفوسفاط: المغرب يملك أكبر احتياطي عالمي (حوالي 70% من الاحتياطيات المعروفة)، وهو مادة أساسية لإنتاج الأسمدة التي تدخل في صناعة البطاريات (فوسفات الليثيوم الحديدي LFP).
- الكوبالت والمنغنيز: توجد رواسب مهمة في مناطق الأطلس والريف، مع مشاريع استكشاف متقدمة.
- النحاس والرصاص والزنك: إنتاج سنوي يتجاوز مئات الآلاف من الأطنان، وهي معادن تدخل في صناعة الكابلات والمحركات الكهربائية.
- الليثيوم: اكتشافات حديثة في منطقة بوكرا ومشاريع استكشاف مشتركة مع شركات أمريكية وأوروبية.
- موقع جيوسياسي: قربه من أوروبا يجعله بديلاً آمناً ومنخفض المخاطر مقارنة بمناطق أخرى (الكونغو الديمقراطية للكوبالت، أستراليا وتشيلي للليثيوم).
أضف إلى ذلك أن المغرب يمتلك بنية تحتية متطورة (موانئ طنجة المتوسط، ميناء الدار البيضاء، شبكة طرق وسكك حديدية)، واستقراراً سياسياً نسبياً، واتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مما يجعله شريكاً مفضلاً في استراتيجية “Friendshoring” الأمريكية.
ما الذي نوقش في اجتماع واشنطن؟
ركز الاجتماع على ثلاثة محاور رئيسية:
- تنويع سلاسل التوريد لتقليل الاعتماد على مصدر واحد (الصين بشكل أساسي).
- الاستثمار المشترك في الاستكشاف، الاستخراج، والمعالجة في دول صديقة.
- آليات تحديد الحد الأدنى للأسعار (price floors) لضمان استقرار السوق وحماية المنتجين من الإغراق.
كما أُطلق رسمياً منتدى الالتزام الجيو-استراتيجي في قطاع المعادن والموارد، وهو إطار تعاوني جديد يهدف إلى تنسيق السياسات بين الدول المشاركة، وتشجيع الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف في مجالات الاستثمار، نقل التكنولوجيا، والتدريب.
حضر الاجتماع وزراء من دول خليجية (السعودية، الإمارات، قطر، البحرين، عمان)، دول أوروبية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إيطاليا، النرويج، السويد)، دول آسيوية (الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، سنغافورة)، ودول أمريكا اللاتينية (الأرجنتين، البرازيل، المكسيك)، إلى جانب أستراليا التي تعد من أكبر منتجي الليثيوم عالمياً.
موقف المغرب: شراكة استراتيجية موثوقة
مشاركة ناصر بوريطة في هذا المستوى العالي ليست صدفة. المغرب يقدم نفسه كشريك موثوق وقريب جغرافياً من أوروبا، وله علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة (اتفاقية التجارة الحرة منذ 2006)، ويمتلك خبرة طويلة في استخراج وتصدير الفوسفاط بكميات هائلة عبر مجموعة OCP.
في السنوات الأخيرة، وقّع المغرب عدة اتفاقيات في هذا المجال:
- شراكة مع شركة أمريكية لاستكشاف الليثيوم في منطقة الجنوب.
- تعاون مع ألمانيا وفرنسا في تطوير تقنيات معالجة المعادن النادرة.
- مشاريع مشتركة مع الإمارات لإنشاء مصانع تحويل الفوسفاط إلى مواد بطاريات متقدمة.
هذه المشاركة تعزز مكانة المغرب كلاعب رئيسي في اقتصاد الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة، حيث يُعد الفوسفاط مكوناً أساسياً في البطاريات من الجيل الجديد.
التحديات والفرص المستقبلية
رغم الفرص الكبيرة، يواجه المغرب تحديات:
- الحاجة إلى استثمارات ضخمة في الاستكشاف والمعالجة المحلية.
- ضمان الاستدامة البيئية والاجتماعية للمشاريع المنجمية.
- مواجهة المنافسة الشرسة من دول مثل أستراليا وكندا.
لكن الموقع الجغرافي، الاستقرار السياسي، والدبلوماسية النشطة للمغرب تجعله مرشحاً قوياً ليكون مركزاً إقليمياً لمعالجة وتصدير المعادن الحرجة نحو أوروبا وأمريكا الشمالية.
المغرب في قلب الاقتصاد الجديد
مشاركة ناصر بوريطة في اجتماع واشنطن ليست مجرد حضور دبلوماسي، بل خطوة استراتيجية تعكس رؤية المغرب للانتقال من دولة مصدرة للمواد الخام إلى شريك أساسي في سلاسل القيمة العالمية للمعادن الاستراتيجية. في زمن يُعاد فيه رسم خريطة الاقتصاد العالمي، يثبت المغرب أنه ليس مجرد لاعب إقليمي، بل شريك لا غنى عنه في مستقبل الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.















