بين التطبيع والغضب الشعبي… هل تغيرت معادلة العرب و”إسرائيل”؟

كتب أحمد سمير
في الوقت الذي تعيش فيه المنطقة العربية واقع تداعيات الحرب في غزة التي لم تهدأ بعد، تبرز العلاقات العربية الإسرائيلية كأحد أكثر الملفات تشابكاً وتعقيداً في المشهد الإقليمي. بين رغبة العرب في الحفاظ على مسار التطبيع الذي بدأ مع إسرائيل منذ سنوات، وضغوط الشارع العربي الغاضب من الانتهاكات الإسرائيلية في القطاع المحتل يومياً، تواجه المعادلة السياسية في الوقت الحالي لحظة اختبار حقيقية.
التطبيع في زمن الحرب… معادلة المصالح والحرج السياسي
في عام 2020، وقعت إسرائيل اتفاقيات إبراهيم مع كل من الإمارات والمغرب والبحرين والسودان، وبدأ الأمر وكأنه يتجه نحو مرحلة جديدة من السلام والعلاقات الدبلوماسية الجيدة بين العرب وإسرائيل.
العلاقات العربية- الإسرائيلية في الوقت الحالي أكثر غموضاً وتناقضاً منذ توقيع أول اتفاقية سلام قبل أربعة عقود. من جهة، تسعى بعض الأنظمة إلى الإبقاء على مسار التطبيع الذي فتح مع اتفاقيات إبراهيم 2020، مدفوعة بمصالح اقتصادية وعسكرية. من جهة أخرى، يعيش الشارع العربي حالة من الغضب الشعبي غير المسبوق تجاه الانتهاكات الممارسة بشكل يومي من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية.
معادلة صعبة ودقيقة تجمع بين واقعية السياسة الحالية، وحرارة نبض الشارع العربي، وبين حسابات المصالح وحضور الوجدان الذي يرى أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى رغم كل التحولات.
تطورات ميدانية وسياسية
في 15 سبتمبر 2020، وقعت الإمارات والبحرين تعهداً بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وذلك بحضور الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.
في 19 أكتوبر 2023، نشرت تصريحات لوزير الخارجية المصري سامح شكري آنذاك، بأن استمرار التصعيد العسكري في غزة يقوض فرص تحقيق السلام، ويزيد من معاناة المدنيين في فلسطين.
في 14 أغسطس من العام الجاري، أشارت بعض التقارير إلى أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء نتنياهو مع وزير المالية سموتريتش قد أقرت خطة بناء أكثر من 3400 وحدة استيطانية في منطقة E1 بالقرب من القدس، في خطوة قد يعتبرها البعض بداية الضم الفعلي للضفة الغربية.
في 3 سبتمبر من العام الحالي، أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية من خلال مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية لانا نسيبة، بأن أي ضم للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر لأبوظبي ويعرض اتفاقيات إبراهيم للخطر.
في 25 سبتمبر، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة لن تسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية، في ظل تحولات لافتة للموقف الأمريكي تجاه الشرق الأوسط.
في 22 أكتوبر من الشهر الجاري، رفضت الإمارات وعدد من الدول العربية منها الأردن ومصر والسعودية تصويت الكنيست على الإقرار المبدئي لتمديد السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية. في نفس اليوم، كان الكنيست الإسرائيلي قد صوت على القراءة الأولى لمسودة قانون لضم الضفة الغربية بنسبة 25 صوتاً موافقاً مقابل 24 رفضاً، الأمر الذي أثار موجة استنكار عربية.
أما الوضع بالنسبة إلى إسرائيل فكان مختلفاً كلياً، إذ لم يكترث بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي لكل هذا، وتبنى هو ورئيس المالية بتسالئيل سموتريتش سياسة الضم.
وعن الموقف الدولي، فقد حذر مسؤولون أمريكيون من ضمنهم مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان، ونائب الرئيس الأميركي كامالا هاريس، من أن استمرار سياسة اللامبالاة التي تتبعها إسرائيل تجاه تصريحات الدول العربية من الممكن أن تنسف أي بارقة أمل في استقرار الشرق الأوسط.
التحولات الإقليمية وردود الفعل
الإمارات والبحرين: “الواقعية الباردة”
منذ أن وقع كل منهما على الاتفاقية، حرصا على إبراز وجه جديد للسياسة “التنمية مقابل السلام”، لكن بعد حرب السابع من أكتوبر 2023 والعدوان الغاشم على القطاع المحتل، وضع هذه الرؤية على المحك.
في الوقت الذي كانت تواصل فيه الإمارات التعاون التجاري مع تل أبيب، بدأ الخطاب يكون أكثر تحفظاً، ليظهر ذلك في تصريح من المستشار الإماراتي أنور قرقاش: “إن الإنفعال لا يبني حلولاً، والحوار هو الطريق الوحيد”، في إشارة منه إلى أن الإمارات من الممكن أن تكون وسيطاً محتملاً في عملية السلام بين العرب وإسرائيل، أكثر من كونها حليفاً لأي طرف.
محاولات الإمارات التصدي ولعب الدور المحوري منذ أغسطس الماضي، ففي 22 أغسطس أصدرت الإمارات بياناً رسمياً أدانت فيه خطة الاستيطان في الضفة الغربية والعمليات العسكرية التي تقوم بها قوات الاحتلال في غزة، وحذرت من تداعيات الموقف إقليمياً.
وعن البحرين التي استقبلت أول سفير إسرائيلي على أراضيها في عام 2021، تعيد تقييم علاقتها الدبلوماسية في ظل رفض شعبي واسع لسياسة التطبيع التي تنتهجها المنامة.
تحرك داخلي من خلال البرلمان الذي أصدر بياناً حاد اللهجة يطالب فيه الحكومة بتجميد العلاقات مع دولة الاستيطان، بينما التزمت الدبلوماسية البحرينية الصمت لتتجنب أي تصعيد داخلي قد يربك التوازنات بين الالتزامات الدولية والضغوط الداخلية.
المملكة العربية السعودية: “لديها موقف محوري”
قد يعتبر البعض أن الرياض اليوم هي المفتاح الأكبر في معادلة التطبيع الإقليمي، وأن المفاوضات التي كانت على وشك الإعلان عنها والتي تضمنت اتفاقاً شاملاً مع إسرائيل بوساطة مباشرة مع الإدارة الأميركية السابقة للرئيس بايدن، قد توقفت مع اندلاع الحرب على غزة.
الموقف السعودي كان بشكل دائم يبدو واضحاً تجاه القضية الفلسطينية، لنرى تأكيداً من وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بأن أي اتفاق لن يتم بدون حل نهائي وعادل للقضية الفلسطينية، ليدعمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في مقابلة لقناة فوكس نيوز الأميركية، والذي أكد فيها ضرورة الوصول إلى حل يضمن كرامة الفلسطينيين.
أيضاً، هذا ما أكده مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان خلال زيارته الأخيرة للرياض.
في ظل ضغوط أميركية، تحاول الرياض الحفاظ على عملية التوازن الدولية، فهي لا تريد خسارة تحالفها مع واشنطن، أو إثارة غضب الشارع العربي، في نفس الوقت تعلم جيداً أن التطبيع من دون مقابل فلسطيني سوف يفقدها مكانتها الرمزية في العالم الإسلامي.
مصر والأردن: “سلام بارد وشعب غاضب”
كلاهما يمتلكان علاقات مع إسرائيل منذ عقود، لكن ظل السلام يتسم بالبرود والتوتر.
القاهرة تتحمل عبء الوساطة بين تل أبيب والفصائل الفلسطينية منذ عقود مرت، وهو دور أمني وإنساني في آن واحد. فهي تتعامل مع الموقف من زاويتين متوازيتين: الأولى كونها وسيطاً محورياً في المفاوضات التي تجري بين حماس وتل أبيب، من جهة أخرى تواجه قلقاً أمنياً متزايداً جراء التحركات العسكرية التي تقوم بها إسرائيل بالقرب من معبر رفح.
وهو ما أكده الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال اجتماع مجلس الأمن القومي: “أن استقرار غزة ضرورة لاستقرار سيناء”، في رسالة ضمنية موجهة إلى الجانب الإسرائيلي.
على الجانب الآخر، لا تزال العلاقات بين الأردن وتل أبيب تشهد توتراً ملحوظاً واضحاً. العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني عبر في أكثر من مناسبة عن رفضه للممارسات التي تقوم بها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، والتي تهدد بدورها استقرار المنطقة. كما قامت عمان باستدعاء سفيرها في تل أبيب في خطوة احتجاجية رمزية بعد تصريحات بن غفير حول “حق اليهود في الأقصى”.
الداخل الأردني يضغط بقوة لقطع العلاقات نهائياً بين عمان وتل أبيب بدعم من النقابات المهنية، الأمر الذي يضع الحكومة أمام تحدٍ سياسي داخلي حقيقي.
المغرب والسودان: “بين الوعود والمخاطر”
المغرب اشترط التطبيع مع إسرائيل باعتراف أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، يعيش الآن في مأزق سياسي وأخلاقي. مع استمرار التصعيدات الإسرائيلية في غزة، تصاعدت الدعوات داخل البرلمان المغربي لإعادة النظر في الاتفاق مع تل أبيب، وقامت النقابات العمالية والأحزاب بحملات لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية، واكتفت الحكومة المغربية بتأكيد التزامها “بخيار السلام كسبيل لحل النزاع بين الدولتين”.
الوضع في السودان أكثر تعقيداً بعد سقوط نظام عمر البشير، سعت الحكومة السودانية الانتقالية إلى نيل الدعم الأمريكي من خلال التطبيع، لكن الحرب الداخلية الحالية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني جعلت هذا الملف يتجمد تماماً. حسب تصريحات لمسؤولين أمريكيين، فإن الخرطوم لم تنفذ أي خطوات تجاه عملية التطبيع الكامل.
الداخل الإسرائيلي: “حكومة مأزومة تبحث عن الشرعية”
الجانب الآخر من اللوحة لم يكن أكثر جاذبية أو راحة للعين، بل واجهت إسرائيل نفسها أزمة عميقة من الداخل. الحكومة الإسرائيلية نفسها تعاني انقساماً غير مسبوق بين اليمين المتشدد والجيش، في الوقت نفسه يواجه رئيس الوزراء نتنياهو اتهامات بالفساد وتراجعت شعبيته في استطلاعات الرأي العام الداخلي.
هذا ما أكده المحلل الإسرائيلي باراك رافيد بأن “نتنياهو يستخدم الملف الخارجي كوسيلة للهرب من مأزق في الداخل، الأمر الذي يفسر استمرار تصاعد العمليات العسكرية في غزة، رغم الضغوطات الدولية المتزايدة”.
إيران: “يرى البعض فيها ورقة المقاومة”
يرى الكثيرون وقوف إيران على الضفة المقابلة لهذا المشهد، مستفيدة من حالة الغضب العربي والإسلامي. فقد أعلن المرشد الإيراني خامنئي أن كل دولة تطبع مع الكيان الصهيوني، ستقف يوماً أمام شعوبها.
في الوقت نفسه، صعد الحرس الثوري الإيراني دعمه للفصائل الفلسطينية وحزب الله اللبناني ليؤكد أن الرد على العدوان سيكون إقليمياً لا محلياً، لعل هذا التموضع قد منح طهران رصيداً معنوياً عند العديد في الشارع العربي، لكنه في نفس الوقت زاد من حدة الاستقطاب الجيوسياسي في المنطقة.
على الجانب الآخر: الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي “إدارة التناقض”
الإدارة الأميركية تجد نفسها أمام معضلة مزدوجة: من جانب تريد الحفاظ على شبكة التطبيع التي تعتبرها إنجازاً استراتيجياً، من جانب آخر لم يعد في استطاعتها تجاهل الضغوطات الداخلية من الحزب الديمقراطي والكونغرس بسبب الصورة المروعة في غزة. هذا ما أكده مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط بريت ماكغورك في مؤتمر الأمن بالعاصمة الألمانية ميونخ أن “استقرار المنطقة يمر عبر العدالة الفلسطينية”، ويُعد من التصريحات النادرة التي تعكس تغيراً في الخطاب الأميركي.
أميركا، بالرغم من دعمها العسكري لإسرائيل، بدأت تُبدي تململًا سياسياً واضحاً وانتقادات حادة، لعل أبرزها ما جاء على لسان وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن حول عمليات القتل المفرط والانتهاكات بحق المدنيين.
وعن موقف الاتحاد الأوروبي، فبدأ صوته يتغير أيضاً، حيث دعا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بوريل إلى مراجعة جدوى التعاون الاقتصادي مع إسرائيل إذا استمر القصف على المدنيين.
قراءة تحليلية للموقف الحالي: “بين المصلحة وسلام الكرامة”
إن ما يجري اليوم ليس مجرد اختبار للعلاقات السياسية، بل هو صراع على تعريف السلام ذاته. السؤال الأهم: “هل السلام هو التطبيع الدبلوماسي فحسب؟ أم أنه يجب أن يقوم على العدالة وإنهاء الاحتلال وحق تقرير المصير؟”
العواصم العربية التي انخرطت في التطبيع تواجه الآن امتحاناً أخلاقياً أمام شعوبها، فالمكاسب الاقتصادية والتكنولوجية لا يمكن أن تعوض عن خسارة الرأي العام العربي، الذي يرى في إسرائيل دولة الاحتلال لا شريكاً للسلام. في المقابل، إسرائيل تراهن على تطبيع دون تنازلات، وربما اكتشفت أن عنصر الأمن الحقيقي هو القبول الشعبي الذي لا يمكن شراؤه بالاتفاقات.
السيناريوات المتوقعة
السيناريو الأول: تجميد التطبيع بشكل مؤقت
استمرار حالة البرود السياسي بين بعض الدول العربية وإسرائيل مع توقف الزيارات واللقاءات العلنية دون إعلان رسمي بقطع العلاقات، بسبب ضغط الشارع العربي بعد خلفية صور الدمار الذي خلفه العدوان على غزة، ورغبة الحكومات العربية في تهدئة الأوضاع الداخلية لديها دون خسارة الحليف الأميركي.
السيناريو الثاني: إعادة التطبيع بوجه جديد
محاولة بعض الدول العربية خاصة الإمارات والبحرين والمغرب في إعادة تفعيل التطبيع ولكن بحذر وهدوء دون ضجة، نظراً للمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، والضغط الأمريكي على مسار اتفاقيات إبراهيم. من الممكن أن يكون هناك شخصيات عربية مؤثرة مثل المستشار الإماراتي أنور قرقاش ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن الذي يلعب دوراً فعالاً في إعادة التواصل مرة أخرى، من الممكن أن تعود العلاقات بشكل تدريجي ولكن من دون احتفاء علني كما كان قبل حرب 7 أكتوبر.
السيناريو الثالث: تشكيل محور عربي رافض للتطبيع
بروز بعض الدول العربية مثل الجزائر والعراق وقطر مع دعم خالص للمقاومة الفلسطينية سياسياً وإعلامياً، رغبة هذه الدول في استعادة الدور العربي استقلاله عن السياسات الأميركية- الإسرائيلية، الأمر الذي من الممكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى انقسام عربي واضح بين محور التطبيع ومحور الرفض، مما يعيد التوازن القديم الذي كان قبل 2020.
السيناريو الرابع: تصعيد ميداني جديد
حال اندلاع أي مواجهات جديدة في غزة أو لبنان، سوف يتم تراجع أي مسار سياسي أو اقتصادي مرتبط بالتطبيع فوراً، وتعود المنطقة إلى مربع المواجهة ويعاد صياغة التحالفات من جديد.
السيناريو الخامس: وساطة سعودية مشروطة
من الممكن أن تعود السعودية إلى فكرة التطبيع ولكن بشروط صارمة، لعل من أبرزها اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967. من الممكن أن يكون التطبيع السعودي ورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية فلسطينية، فلم يعد هناك تنازل مجاني.
في نهاية الأمر، فإن ما نشاهده اليوم ليس مجرد مراجعة للعلاقات بين العرب وإسرائيل، بل هو إعادة رسم لحدود الشرق الأوسط السياسية. الخريطة التي وضعت عقب 2020 تغيرت، لم يعد التطبيع صفقة سهلة المنال، ولم يعد الرفض مجرد رد فعل شعبي عابر، بل أصبح معياراً لتقييم الموقف العربي والدولي.
إذا أرادت الدول العربية أن تخرج من هذا الاختبار وقد حافظت على مصداقيتها، فلا خيار أمامها سوى أن تتوج سلامها بالعدالة، وأن تجعل من القضية الفلسطينية مفتاحاً لا ورقة تفاوض تطوى. فالسلام الذي يقوم على الاستسلام أو التنازل ليس سلاماً، بل هزيمة مدوية تحت ستار الهدوء.
ومن هنا، وفي لحظة انتقال تاريخية، ينبثق السؤال: “هل ستختار العواصم العربية أن تكون في صف المصالح الواعية؟ أم ستظل تحت رهن التطبيع بلا قبول؟”
المسألة اليوم، قبل أن تكون دبلوماسية، هي اختبار للشعوب العربية، للكرامة العربية، وللمعنى الحقيقي للسلام.









