
“جار ومجرور”.. كوميديا خالدة تعيد إحياء إرث محمد الجم للأجيال الجديدة
في قلب المسرح المغربي، حيث تتقاطع الضحكات مع النقد الاجتماعي الحاد، تعود مسرحية “جار ومجرور” إلى الواجهة من جديد، ليس كمجرد إعادة عرض، بل كمشروع تجديدي يهدف إلى ربط الإرث الفني بالجمهور المعاصر. هذه الكوميديا الكلاسيكية، التي ألفها الفنان القدير محمد الجم في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، كانت واحدة من أبرز إنجازات فرقة المسرح الوطني، محققة نجاحًا جماهيريًا هائلاً بفضل قدرتها على السخرية اللاذعة من الواقع السياسي والاجتماعي المغربي.
الآن، في عام 2026، تقرر فرقة مسرح الأفق – تارودانت إحياء العمل في جولة وطنية بدعم من وزارة الثقافة، مع إعادة صياغة إخراجية حديثة من توقيع عبد المجيد فنيش. العرض الأول مقرر يوم 30 يناير في تامسنا، يليه عرض ثانٍ في القنيطرة يوم 31 يناير، في خطوة تؤكد أن المسرح المغربي قادر على التجدد دون أن يفقد جوهره.
قصة “جار ومجرور”: السخرية من السياسة والانتهازية
تدور أحداث المسرحية حول مرشح برلماني انتهازي يُدعى “الحاج”، تاجر أمي يطمح إلى مقعد في البرلمان رغم جهله التام بالسياسة. يلجأ إلى خادمته المثقفة “حليمة” لتدريبه على فن الخطابة وصناعة صورة سياسية مقنعة. ينضم إلى اللوحة صهره الصحافي الذي ينتقده بشراسة ويدعم مرشحًا منافسًا، مما يولد سلسلة من المواقف الكوميدية المحملة بالمفارقات.
النص الأصلي لـمحمد الجم يتميز بذكائه في تحويل قضايا جدية مثل الانتخابات، الفساد، الطبقية، والانتهازية السياسية إلى حفلة ضحك لا تتوقف. حزب “السلحفاة” الذي يترشح عنه “الحاج” ليس سوى رمز ساخر للأحزاب الوهمية التي تعتمد على المال والشعارات الجوفاء.
النسخة الجديدة: تجديد دون خيانة للأصل
يقول عبد المجيد فنيش، المخرج الجديد، إن هدفه ليس تقليد العرض القديم، بل إعادة قراءته بأسلوب عصري يناسب الجمهور الشاب. يجمع العرض بين الكوميديا الخفيفة والبعد الاجتماعي والسياسي، مع الحفاظ على روح النص الأصلي. تم “أدرمة” النص (أي إعادة صياغته دراميًا) ليتناسب مع الإيقاع السريع والحساسيات المعاصرة، دون أن يفقد حدته الناقدة.
- الطاقم الفني الجديد: يضم نخبة من الممثلين الشباب والمخضرمين مثل محمد عزام، رشيدة منار، محمد حمزة، فاطمة الزهراء بوراس، لمياء خربوش، وأحمد الحبابي.
- السينوغرافيا: من توقيع سارة الرغاي، مع تصميم أزياء سكينة معناوي، إضاءة لحسن بوهرة، وتقنيات محمد هموش.
- الإنتاج: يعود إلى مسرح الأفق – تارودانت، مع إدارة إنتاج محمد حمزة وسكرتارية أسماء أجغوغ.
لماذا تعود “جار ومجرور” الآن؟
المسرح المغربي يعيش مرحلة انتقالية: جيل قديم يودع، وجيل جديد يبحث عن جذوره. إعادة تقديم أعمال مثل “جار ومجرور” تُعد محاولة ل:
- الحفاظ على الذاكرة الفنية: فالمسرحية جزء من تاريخ فرقة المسرح الوطني، التي شارك فيها أسماء كبيرة مثل الراحل عزيز موهوب، مليكة العمري، سعاد خيي، نزهة الركراكي، وبالطبع محمد الجم نفسه.
- تقديم الإرث للشباب: الجيل الجديد لم يشاهد العرض الأصلي في التسعينيات أو الألفية الأولى، فهذه فرصة لتعريفهم بكيفية استخدام الكوميديا كناقد اجتماعي.
- التجديد دون التقوقع: يطرح فنيش سؤالاً جوهريًا: كيف نحافظ على النصوص الكلاسيكية حية دون أن نجعلها قطعًا أثرية؟ الإجابة تكمن في إعادة الصياغة الذكية التي تحافظ على الروح وتغير الشكل.
تأثير “جار ومجرور” على المسرح المغربي
منذ عرضها الأول، اعتبرت “جار ومجرور” نموذجًا لـالمسرح الكوميدي الاجتماعي في المغرب. ساهمت في تعزيز مكانة محمد الجم كأحد أبرز كتاب الكوميديا الناقدة، إلى جانب أعماله الأخرى مثل “وجوه الخير”، “ساعة مبروكة”، “قدام الربح”، و**”الرجل الذي…”**.
النص ينتقد بذكاء:
- الانتهازية السياسية واستغلال الجهل.
- الفجوة بين الطبقات (الخادمة المثقفة مقابل التاجر الأمي).
- دور الإعلام في تشويه أو تصحيح الصورة السياسية.
هذه المواضيع لا تزال حية اليوم، بل أصبحت أكثر حدة في عصر السوشيال ميديا والانتخابات الرقمية.
الجولة الوطنية: رسالة ثقافية أم مجرد عودة تجارية؟
فرقة مسرح الأفق، بدعم وزاري، تؤكد أن الهدف الاحتفاء بإسهامات المسرح الوطني وتقديم عمل كلاسيكي بروح جديدة. الجولة تبدأ في مدن مثل تامسنا والقنيطرة، ومن المتوقع أن تمتد إلى مدن أخرى، مما يتيح لجمهور واسع – خاصة في المناطق الداخلية – الاستمتاع بعمل وطني.
هذه المبادرة تندرج ضمن جهود أوسع لإحياء المسرح المغربي بعد سنوات من الركود الناجم عن جائحة كورونا والتحول الرقمي. إعادة إحياء كلاسيكيات مثل “جار ومجرور” يساعد في جذب الشباب إلى المسارح، ويذكرهم بأن الفكاهة يمكن أن تكون أداة للتغيير لا مجرد تسلية.
ضحكة تحمل رسالة
“جار ومجرور” ليست مجرد مسرحية قديمة تعاد، بل هي دليل على أن الفن المغربي قادر على التطور دون نسيان جذوره. في زمن تتغير فيه الأشكال الفنية بسرعة، تبقى الكوميديا الذكية – التي تنتقد دون أن تجرح، وتضحك دون أن تسخر – أقوى أداة للحفاظ على الوعي الاجتماعي.
إذا كنت من عشاق المسرح المغربي، فهذه فرصة ذهبية لترى كيف يتحول نص كلاسيكي إلى تجربة معاصرة. اذهب إلى تامسنا أو القنيطرة، ودع “الحاج” وحليمة يعيدان إليك الضحك مع لمسة تأمل في واقعنا اليومي.















