
جامع القرويين في فاس المغربية.. مدينة مصغرة بـ17 باباً تحكي 1165 عاماً من العلم والتضامن
في قلب فاس العتيقة بالمغرب، حيث تتدفق أزقة المدينة المنورة مثل شرايين حية، يقف جامع القرويين شاهداً على حضارة كاملة. ليس مجرد مكان للصلاة، بل أقدم جامعة في العالم، ومركز علمي واقتصادي واجتماعي فاق تأثيره حدود المغرب ليصل إلى أوروبا والشرق. بني سنة 859م على يد امرأة قيروانية اسمها فاطمة الفهرية، وما زال حتى اليوم ينبض بالحياة، خاصة في رمضان المبارك حيث يمتلئ بأصوات التراويح وروائح الإفطار الجماعي.
جامعة قبل الجامعات.. دور علمي غيّر وجه العالم
سبق جامع القرويين جامعة الأزهر بمائة سنة، وجامعة بولونيا الإيطالية بثلاثمائة سنة، والسوربون وأكسفورد بأكثر من ثلاثمائة وأربعين سنة. كان مركزاً للعلم يجذب الطلاب من المغرب والأندلس وشمال إفريقيا وحتى أوروبا. من بين من درسوا فيه أو تخرجوا منه: ابن خلدون، ابن رشد، ابن ميمون، ابن عربي، الإدريسي، وحتى غيربرت فون أوريلاك الذي أصبح لاحقاً البابا سلفستر الثاني، وهو أول بابا تعلم العربية وأدخل الأرقام العربية والصفر والفلك إلى أوروبا.
في رمضان، يعود الجامع إلى دوره التاريخي الأصيل: حلقات علمية بعد التراويح، دروس ليلية، وتجمعات روحية تعيد إحياء ذلك التراث الحي.
17 باباً.. كل باب قصة اجتماعية واقتصادية
ما يميز جامع القرويين حقاً هو أبوابه الـ17، التي ليست مجرد مداخل، بل مرآة لنظام اجتماعي واقتصادي متكامل كان يديره الأحباس (الوقف). إليك أبرزها:
باب الحفاة: أقدم الأبواب، مخصص للفقراء الذين لا يملكون أحذية. يوجد به مجرى ماء للغسل، وكان يُمنحون احتراماً كاملاً ليدخلوا ويستمعوا إلى الدروس.
باب الشماعين: الباب الرئيسي، يقابل سوق الشموع والفواكه المجففة. شهد استشهاد الإمام عبد الواحد الونشريسي، ويقابله برج فلكي كان يُستخدم لضبط مواقيت الصلاة.
باب الوراقين (أو باب الكتبيين): مركز صناعة الكتب والورق الذي انتقل من هنا إلى أوروبا في القرن الـ12. كانت به ثلاثون دكاناً لبيع ونسخ الكتب.
باب الموثقين: مخصص للعدول والشهود، يقابله دكاكين للتوثيق العدلي حتى يسهل على المواطنين إنجاز معاملاتهم قرب المسجد.
باب النطاعين (أو السبيطريين): يفتح على سوق الجلود والأحذية، مرتبط بصناعة تجليد الكتب.
باب الخلفاء: باب ملكي فخم، كان يدخل منه السلاطين فقط لصلاة الجمعة، ويُستقبلون بالتمر والحليب.
باب الحدودي: خلف خزانة القرويين، حيث أُنشئ أول “بنك” في العالم بالمفهوم الحديث في القرن الـ12، يحفظ أموال الأحباس والودائع الخاصة بثلاثة مفاتيح.
باب الفرخة (باب الستر): باب صغير للمتخاصمين (رجالاً ونساءً) لأداء اليمين بعيداً عن أعين الناس.
هذه الأبواب لم تكن مجرد مداخل، بل جزء من شبكة تضامنية: دار للنساء اللواتي يتعرضن للعنف، دار العافية للعرسان الفقراء، فرن يوزع الخبز على المساكين، وفندق للرضاعة يدفع أجره الأحباس للنساء اللواتي يرضعن الأيتام.
مكتبة القرويين.. كنز مخطوطات يعود للقرن التاسع
تحتوي مكتبة الجامع على عشرات الآلاف من المخطوطات النادرة، منها نسخ قرآنية تعود إلى عهد التأسيس. هذه المكتبة ليست مجرد رفوف كتب، بل شاهد على انتقال المعرفة من المغرب إلى أوروبا.
جامع القرويين في رمضان 2026.. روحانية وتسامح
في هذا الشهر الفضيل، يتحول الجامع إلى قبلة روحية يومية: صلاة التراويح بأجمل الأصوات، حلقات علمية بعد الإفطار، وإفطارات جماعية في الأزقة المجاورة. يجسد التسامح الديني المغربي الأصيل، حيث استقبل عبر التاريخ طلاباً من كل الملل والنحل.
جامع القرويين ليس معلماً تاريخياً فقط، بل نموذج حي لكيف كانت الحضارة الإسلامية تجمع بين العلم والتضامن والإنسانية. في رمضان المبارك، يذكرنا أن التراث الحقيقي هو الذي يعيش في قلوب الناس ويستمر في خدمتهم.
















