
رحيل الكاتب والناقد التشكيلي الكبير اليوم سمير غريب
فقدت اليوم الجمعة 27 مارس الساحة الثقافية واحدأ من أبرز رموزها بمصر، برحيل الكاتب والناقد التشكيلي الكبير سمير غريب، الرئيس الأسبق لجهاز التنسيق الحضاري.
ولد سمير غريب في مدينة منفلوط بمحافظة أسيوط عام 1954، وحمل معه شغف المعرفة إلى القاهرة، حيث تخرج في كلية الإعلام بجامعة القاهرة قسم الصحافة عام 1975.
بدأت خطواته الأولى في عالم الصحافة عبر مؤسسة “الأخبار” العريقة، حيث قضى فيها 13 عاما من العمل، وخلال هذه الرحلة، انطلق غريب إلى باريس ليقيم فيها أربع سنوات، عمل خلالها صحفي في مجلة “المستقبل” الأسبوعية التي كانت تصدر من العاصمة الفرنسية، وصقل موهبته الأكاديمية بحصوله على دبلوم من المعهد الدولي للصحافة في باريس عام 1985.
وشغل غريب منصب مستشار صحفي ثم مستشار فني لوزير الثقافة لفترة طويلة امتدت من 1987 حتى 1999، وخلال هذه المرحلة، سجل إنجاز تاريخي كونه المؤسس والمدير الأول لصندوق التنمية الثقافية، الذي تولى مسؤوليته بين عامي 1990 و1999، محولا إياه إلى أحد أهم روافد دعم الإبداع والمبدعين، قبل أن يتولى رئاسة مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية بين عامي 1999 و2002، ليصبح خلالها أول مصري يرأس الاتحاد العربي للوثائق.
يأتي رحيل بعض المثقفين كفاصل حاد يُعيد ترتيب المشهد، لا لأنه الأعلى صوتًا، بل لأنه كان الأعمق أثرًا. هكذا بدا خبر وفاة الكاتب والمثقف سمير غريب، الذي غادر بهدوء يشبه طريقته في الكتابة، تاركًا خلفه حضورًا يصعب اختزاله في سطور خبر أو بيان نعي.
لم يكن الراحل من أولئك الذين يسعون إلى الأضواء، لكنه كان حاضرًا في قلب المعادلة الثقافية، من خلال أدوار متعددة جمع فيها بين الكتابة والعمل المؤسسي، فقد شكّل نموذجًا للمثقف الذي يتحرك داخل المؤسسات دون أن يفقد حسه النقدي، ويكتب دون أن ينفصل عن الواقع أو يتعالى عليه.
انشغل سمير غريب بأسئلة الثقافة الكبرى: كيف يمكن للفن أن يعبر عن المجتمع؟ وما الدور الحقيقي للمثقف في زمن التحولات؟ لم تكن هذه الأسئلة بالنسبة له مادة تنظيرية فقط، بل انعكست في ممارساته، سواء في مقالاته أو في إدارته للمشروعات الثقافية، حيث حاول أن يخلق مساحات للتفكير، لا مجرد منصات للعرض.
وارتبط اسمه بشكل خاص بالحقل السينمائي، ليس فقط كناقد، بل كداعِم لفكرة السينما بوصفها أداة للوعي. وقد آمن بأن الصورة يمكن أن تكون أكثر صدقًا من الكلمات أحيانًا، إذا ما وُضعت في سياقها الصحيح، وهو ما جعله ينحاز إلى الأعمال التي تحمل مضمونًا إنسانيًا وفكريًا، بعيدًا عن الاستهلاك السريع.
ومع إعلان وفاته، بدت ردود الفعل وكأنها محاولة لاستعادة ملامح رجل لم يكن صاخبًا، لكنه كان مؤثرًا. تحدث عنه زملاؤه باعتباره صوتًا متزنًا، يفضل التحليل على الانفعال، ويبحث عن المعنى بدلًا من الاكتفاء بالموقف السريع، وهو ما جعل غيابه يثير شعورًا بخسارة نوعية، تتجاوز فكرة فقدان شخص إلى فقدان نمط من التفكير.
وربما تكمن قيمة تجربة سمير غريب في هذا التوازن الذي حافظ عليه؛ بين الانخراط في الواقع والاحتفاظ بمسافة نقدية منه، وبين العمل داخل المؤسسات وعدم الذوبان فيها، وهي معادلة صعبة، لا ينجح فيها كثيرون، لكنها كانت أحد ملامح شخصيته المهنية والفكرية.
كان رحيله يطرح سؤالًا أكبر من مجرد الغياب: من يملأ هذا الفراغ الهادئ؟ ومن يواصل طرح الأسئلة دون ضجيج؟ في زمنٍ أصبحت فيه الثقافة ساحة مزدحمة بالأصوات، يبدو فقدان صوتٍ متزن كخسارة لا تُقاس بعدد الكتب أو المناصب، بل بقدرته على ترك أثرٍ ممتد في الوعي.
واصل الراحل طريقه للنجاح بتمثيل الثقافة المصرية في الخارج مديرا للأكاديمية المصرية للفنون بروما بين عامي 2002 و2004، ليعود بعدها ويضع حجر الأساس لواحد من أهم الأجهزة التنظيمية في الدولة، وهو الجهاز القومي للتنسيق الحضاري الذي أسسه وترأس مجلس إدارته عام 2004، بهدف الحفاظ على الهوية المعمارية والجمالية للمدن المصرية.
بجانب عبقريته الإدارية، كان غريب ناقدا تشكيليا من الطراز الرفيع، متميز بلغة رصينة وفكر مستنير، فقد أثرى المكتبة العربية بمؤلفات تعد مراجع في بابها، بدءً من كتابه التأسيسي “السريالية في مصر”، وصولا إلى قائمة طويلة من الإصدارات، منها “راية الخيال”، و”نقوش على زمن: صفحات من تاريخ الفن التشكيلي”، و”في تاريخ الفنون الجميلة”، و”حيوية مصر”، و”الهجرة المستحيلة”، و”من كتابات زمن الحرية”، و”كتابات الزمن الآخر”.



















