alalamiyanews.com

العالمية نيوز

صومعة حسان : معجزة المعمار الموحدي الشامخة في قلب الرباط

0 Shares
69 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

في قلب العاصمة الرباط، وعلى ضفاف نهر أبي رقراق الذي يعانق المحيط الأطلسي، تقف صومعة حسان كشاهد صامت على طموح حضاري استثنائي. هذه الصومعة ليست مجرد مئذنة، بل هي بقية من مسجد حسان، المشروع الأضخم في تاريخ المغرب الإسلامي، الذي كان يُفترض أن يصبح أكبر مسجد في العالم الإسلامي الغربي. بدأ البناء في أواخر القرن الثاني عشر بأمر من الخليفة يعقوب المنصور، ثم توقف فجأة بعد وفاته سنة 1199م، ليبقى الموقع شاهداً على عظمة الدولة الموحدية وفي الوقت نفسه على هشاشة الطموح البشري أمام القدر. اليوم، تُعد صومعة حسان رمزاً وطنياً ومعلماً سياحياً عالمياً مصنفاً ضمن تراث اليونسكو، وتتحول خلال شهر رمضان المبارك إلى فضاء روحاني هادئ يجذب آلاف الزوار للتأمل والدعاء بجانب ضريح محمد الخامس، في أجواء تجمع بين الفخر التاريخي والخشوع الديني.
تاريخ البناء: حلم موحدي كبير توقف فجأة
بدأ تشييد مسجد حسان (والصومعة جزء منه) بين سنتي 1193-1194م (590-591هـ) في مدينة رباط الفتح، التي كان يعقوب المنصور يعمل على تحويلها إلى حاضرة عظيمة إلى جانب مراكش وفاس. كان العهد الموحدي آنذاك “العهد الذهبي للمغرب” من حيث العمران، الحضارة، والاستقرار، فأراد المنصور أن يترك أثراً يفوق ما سبق: مسجد عملاق يتسع لأكثر من 40 ألف مصلٍ، وصومعة ترتفع أكثر من 80 متراً، لتكون أعلى مئذنة في العالم الإسلامي.

استمر العمل 4 سنوات فقط (1195-1199م).
توقف البناء نهائياً بعد وفاة المنصور في طريق عودته من حملة عسكرية في الأندلس.
لم يُكمل خلفاؤه المشروع، فبقيت الصومعة (44 متراً حالياً) وأكثر من 200 عمود حجري مرتبة في صفوف تشكل “ساحة الأعمدة” الشهيرة.

أدى توقف العمل إلى تلاشي المرافق تدريجياً: استُخدمت أخشاب المسجد لصناعة السفن في عهد السعديين، وتعرض الموقع لزلزال لشبونة المدمر سنة 1755م، الذي حطم أجزاء كبيرة من الصومعة والأعمدة. لم تُبذل محاولات جادة لإكمال المسجد في العصور اللاحقة بسبب التهديدات البحرية، ضعف الدولة، والأوضاع الاقتصادية بعد الاستقلال، رغم أن الملك محمد الخامس أبدى رغبة في ترميمه لكن الظروف حالت دون ذلك.
أما اسم “حسان” فلا يرتبط بسلطان أو مهندس معاصر للبناء. ظهر الاسم لأول مرة في القرن الـ14م عند ابن أبي زرع، ويبقى غامضاً حتى اليوم، إذ لا يمكن ربطه بقبيلة بني حسن (التي وصلت المنطقة في القرن العشرين).
السمات المعمارية: فن موحدي في أبهى صوره
صومعة حسان تحفة معمارية موحدية خالصة. ترتفع إلى 44 متراً (كانت مخططة لـ80 متراً)، وتتكون من 4 وجوه متطابقة، مزينة بأقواس معقودة، شبابيك مزخرفة بنقوش هندسية دقيقة، وكتابات كوفية جميلة.

القاعدة: مربعة الشكل، مبنية من الحجر المنجور والطوب، بعرض 14.20 متراً وسمك جدران 2.5 متر.
الزخارف: تعتمد على النقوش الهندسية والكوفية، مع أشكال “درج وكتف” التي تشبه الوردة قبل أن تزهر، وتجنب الزخارف الحية.
ساحة الأعمدة: أكثر من 200 عمود حجري مرتبة في صفوف، تعطي إحساساً بالعظمة رغم عدم اكتمال السقف.
الداخل: غرف موزعة على 6 طوابق، ومطلع خفيف الانحدار (عرضه متران) كان يُستخدم لصعود الدواب بالمواد، مشابه لصومعتي الكتبية والخيرالدا.

تُعد الصومعة النموذج الأول للعمارة الموحدية، وتُشبه صومعة الكتبية في مراكش والخيرالدا في إشبيلية، مما يدل على أن فرقاً واحدة من المهندسين والحرفيين عملت في المواقع الثلاثة.

صومعة حسان في رمضان: فضاء روحاني بجانب ضريح محمد الخامس
خلال رمضان المبارك، يتحول المكان إلى وجهة مفضلة للمراكشيين والزوار. لا تُقام فيه صلاة التراويح يومياً (لأنه غير مكتمل)، لكنه يشهد أجواء روحانية مميزة:

آلاف يأتون للتأمل والدعاء بجانب ضريح محمد الخامس.
في ليالي رمضان، تُضاء الصومعة بأنوار ذهبية خافتة، مما يعطي منظراً ساحراً.
تُنظم أحياناً محاضرات دينية وأمسيات قرآنية في الساحة المفتوحة.

يجمع المكان بين الروحانية والفخر الوطني، خاصة أنه يقع بجانب ضريح الملك محمد الخامس وولديه الحسن الثاني ومحمد السادس.

صومعة حسان ليست مجرد أطلال؛ إنها رمز للطموح المغربي، للصمود أمام الزمن، وللعظمة التي لا تكتمل إلا بالإرادة. في رمضان، تصبح مكاناً للتأمل والدعاء، يذكرنا أن التراث المغربي يجمع بين الماضي العريق والحاضر المشرق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق