
قصة الفانوس الذي صار طقساً رمضانياً منذ العصر الفاطمي
يُعد فانوس رمضان أحد أبرز الرموز الشعبية والثقافية المرتبطة بشهر رمضان في العالم العربي والإسلامي، وخاصة في مصر حيث يحتل مكانة خاصة في الوجدان الجمعي والذاكرة الشعبية. مع اقتراب حلول الشهر الكريم، تمتلئ الأسواق والشوارع بأشكال الفوانيس الملونة المتنوعة، من الفوانيس التقليدية المصنوعة يدوياً إلى الأشكال الحديثة المضيئة باللمبات الكهربائية أو الـLED، وتُزين البيوت والأزقة والشرفات والمساجد بأضوائها الدافئة التي تعكس حالة الفرح والترقب والروحانية التي يحملها رمضان. يحمل الأطفال الفوانيس ويتجولون في الأحياء مرددين الأناشيد الرمضانية الشعبية، كما أصبح شراء الفانوس طقساً سنوياً ينتظره الصغار والكبار على حد سواء، فيُعلن بداية الاستعداد الروحي والاجتماعي والعائلي للشهر الفضيل.
من أداة إضاءة إلى رمز ثقافي عميق
في الأصل، كان الفانوس مجرد أداة وظيفية ضرورية للإضاءة ليلاً في عصر لم تكن فيه الكهرباء معروفة، حيث كان يُستخدم لحماية اللهب من الرياح والأتربة أثناء التنقل في الشوارع المظلمة أو أداء صلاة التراويح والقيام. مع تطور المجتمعات الإسلامية والحضارة الفاطمية في مصر، تحول الفانوس إلى عنصر فني وزخرفي مستوحى من العمارة الإسلامية والزخارف الهندسية والنباتية، فأصبح يُصنع من النحاس والخشب والزجاج الملون، ويُزين بالرسومات والكتابات الدينية والأشكال الهلالية والنجمية. هذا التطور جعله رمزاً احتفالياً متجذراً في الثقافة الشعبية، يعبر عن البهجة الجماعية، والتقارب الأسري، والتكافل الاجتماعي، وأصبح شاهداً على استمرارية التراث الإسلامي رغم تغير الأزمنة والتقنيات.
أصل التقليد في العصر الفاطمي
ترجح الروايات التاريخية والدراسات الأكاديمية أن تقليد فانوس رمضان يعود جذوره إلى الدولة الفاطمية في مصر (969–1171 م)، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً كبيراً في الفنون والعمارة والعادات الشعبية. تقول الدكتورة إيناس محمد البهيجي في كتابها “تاريخ الدولة الفاطمية” إن الفاطميين سنوا عدة عادات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية عموماً والمصرية خصوصاً، ومن أبرزها فانوس رمضان. وتروي إحدى الروايات الشعبية المنتشرة أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (996–1021 م) أمر بمنع النساء من مغادرة بيوتهن ليلاً خارج شهر رمضان، إلا أنه سمح لهن بالخروج في رمضان بشرط أن يتقدمهن غلام يحمل فانوساً مضيئاً لإنارة الطريق وضمان سلامتهن، وهو ما ساهم في انتشار الفانوس كرمز للأمان والفرح في الشهر الكريم.
تطور الصناعة والدلالات الثقافية
مع مرور الزمن، تطورت صناعة الفانوس من أداة بسيطة إلى قطعة فنية تراثية، حيث أصبحت ورش الحرفيين في القاهرة (خاصة في منطقة الحسين والغورية) تُبدع في تصميم أشكال جديدة كل عام، مستوحاة من التراث الإسلامي والزخارف العربية، مثل الهلال والنجمة والمسجد والقمر والفوانيس التقليدية متعددة الألوان. كما انتقل التقليد إلى بلدان عربية أخرى مثل الشام والعراق والمغرب العربي، مع اختلافات طفيفة في الشكل والاستخدام، لكنه ظل رمزاً مشتركاً للبهجة الرمضانية. يُعتبر الفانوس اليوم شاهداً على تفاعل الدين والعادات والفنون مع الحياة اليومية، حيث تحول من مجرد مصباح إلى رمز ثقافي يعبر عن الهوية الإسلامية والفرح الجماعي، ويستمر في إضاءة ذاكرة الأجيال المتعاقبة.
الفانوس اليوم: بين التراث والحداثة
في العصر الحديث، حافظ الفانوس على مكانته رغم ظهور الإضاءة الكهربائية، بل تطور ليشمل أنواعاً مضيئة بالبطاريات أو الطاقة الشمسية، مع الحفاظ على التصاميم التقليدية التي تحمل طابعاً تراثياً. أصبح شراء الفانوس طقساً عائلياً سنوياً، حيث يصطحب الأهل أطفالهم إلى الأسواق لاختيار الفانوس الذي يعجبهم، ويُعلقونه في البلكونات والنوافذ ليضيء الشوارع ويعلن عن قدوم الشهر الفضيل. يبقى الفانوس شاهداً حياً على قدرة الرموز الشعبية على تجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية والروحية للمسلمين.





















