
مراقبة “أسواق رمضان” في المغرب: تساؤل حول التوازن بين احترام القانون وحماية التجار
مع اقتراب شهر رمضان المبارك 2026، الذي يبدأ غداً إن شاء الله، تعود أسواق المغرب إلى دائرة الضوء بقوة. يشهد الاستهلاك الغذائي ارتفاعاً ملحوظاً يصل إلى 18-50% مقارنة بالأشهر العادية، حسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط في سنوات سابقة، وهو ما يجعل المراقبة ضرورية لضمان سلامة المنتجات واستقرار الأسعار. لكن هذه الحملات تثير تساؤلات مشروعة: كيف نحقق التوازن بين احترام القانون الصارم وحماية التجار الصغار والمتوسطين الذين يشكلون عماد الاقتصاد المحلي؟
هذا الموضوع ليس مجرد نقاش تقني، بل يمس جوهر العدالة الاقتصادية في شهر روحاني يفترض أن يعزز التضامن والشفافية. في هذا التقرير الشامل، نستعرض الواقع من زاويتين: صوت الجمعيات المهنية التي تدافع عن التجار، ومطالب جمعيات حماية المستهلك.
السياق الاقتصادي لـ “أسواق رمضان” 2026: ارتفاع الطلب ومخاطر المضاربة
يُعد شهر رمضان موسمًا استثنائيًا للاقتصاد المغربي. تتضاعف مبيعات المواد الغذائية الأساسية مثل التمور، الحليب، الدجاج، الخضروات، والحلويات التقليدية. وفق دراسات سابقة للمندوبية السامية للتخطيط، ترتفع نفقات الأسر على الغذاء بنسبة تصل إلى 17.8% في الوسط الحضري، ويصل إجمالي الإنفاق الإضافي إلى 15% من ميزانية الغذاء السنوية.
هذا الارتفاع الطبيعي في الطلب يفتح الباب أمام مخاطر المضاربة، الاحتكار، والغش في الجودة. لذلك سارعت الحكومة، من خلال لجان مختلطة تضم وزارة الداخلية، الصناعة والتجارة، والصحة، إلى تكثيف حملات المراقبة قبل أسابيع من حلول الشهر. وتم إعادة تفعيل الرقم المجاني 5757 لتلقي شكاوى المواطنين مباشرة، وهو إجراء أثبت نجاعته في السنوات الماضية.
لكن هذه الحملات المكثفة تثير قلق التجار، خاصة الصغار الذين يعتمدون على تجارة القرب ولا يملكون هامشاً كبيراً للخطأ.
دور الجمعيات المهنية: توجيه التجار نحو الامتثال الوقائي
لم تقف الجمعيات المهنية مكتوفة الأيدي. سارعت عدة هيئات، مثل جمعية تجار المحمدية للتنمية والتضامن وجمعية التاجر الصغير بالدار البيضاء، إلى إصدار نداءات وتوجيهات واضحة لمنخرطيها.
الطيب الموساوي، رئيس جمعية تجار المحمدية، أكد في تصريح اعلامي أن حملات المراقبة أمر طبيعي ويتم في إطار القانون، لكنه شدد على ضرورة مواكبة التجار:
مراقبة تواريخ انتهاء الصلاحية بعناية وإبعاد السلع المنتهية في مكان خاص.
إشهار لوائح الأسعار بشكل واضح ومقروء.
الاحتفاظ بجميع الفواتير لإثبات شرعية السلع.
تجنب استخدام الأكياس البلاستيكية غير المسموح بها.
كما حذر من تأخر بعض الشركات الموزعة في تسوية “المرجوعات” (البضائع المرتجعة)، مما يضع التاجر في موقف حرج أمام اللجان.
رشيد تايس، الكاتب العام لجمعية التاجر الصغير بالدار البيضاء، أضاف بُعداً آخر: “المراقبة يجب أن تكون منتظمة طوال السنة، لا موسمية فقط في رمضان”. ورفض “استعانة اللجان بمصورين أو بث مباشر”، معتبراً أن ذلك يحول التاجر إلى “متهم تلقائي” قبل أن يدافع عن نفسه.
مخاوف التجار المشروعة: بين الغرامات الثقيلة والتصوير
يخشى كثير من التجار أن تتحول المراقبة إلى “صيد” موسمي. أبرز المخاوف:
الغرامات الثقيلة على مخالفات بسيطة مثل تأخر في عرض فاتورة أو خطأ في الترميز.
استخدام التصوير أو البث الحي داخل المحلات، مما يضر بسمعة التاجر حتى لو ثبت براءته لاحقاً.
التركيز على التجار الصغار دون النظر إلى أسواق الجملة التي تشهد ارتفاعات أكبر في الأسعار.
هذه المخاوف ليست رفضاً للمراقبة، بل طلباً لمراقبة “عادلة” تكون مقتصرة على ذوي الاختصاص، مع إعطاء فرصة للتجاوب الفوري قبل تسجيل المخالفة.
صوت جمعيات حماية المستهلك: مراقبة منتظمة وليست موسمية
من الجهة المقابلة، تطالب جمعيات حماية المستهلك بتعزيز المراقبة، معتبرة أن رمضان يكشف الخلل المتراكم طوال السنة. يقول رئيس الجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك، وديع مديح، إن المراقبة الموسمية تعطي صورة مؤقتة فقط، ويطالب بالرقمنة ونشر الأسعار عبر منصات رسمية.
الرقم 5757 يمثل هنا أداة قوية: يتلقى الشكاوى من 9 صباحاً إلى 6 مساءً، ويشمل الغش، نقص التموين، الممارسات غير الشريفة، والمنافسة غير العادلة. في السنوات الماضية ساهم في حل آلاف الشكاوى بسرعة.
فوائد التوازن: اقتصاد أقوى وثقة أكبر
عندما تكون المراقبة عادلة ومنتظمة:
يحمى المستهلك من الغش ويحافظ على قدرته الشرائية.
يشعر التاجر بالأمان ويستثمر بثقة.
ينمو الاقتصاد المحلي، خاصة أن تجارة القرب تمثل أكثر من 60% من النشاط التجاري في المغرب.
رمضان ليس مجرد شهر صيام، بل فرصة لتعزيز قيم التضامن والشفافية .
نحو نموذج مغربي متوازن
مراقبة أسواق رمضان ليست مواجهة بين التاجر والمستهلك، بل شراكة يجب أن تحمي الطرفين. مع تفعيل 5757، ولجان مختلطة، وتوجيهات الجمعيات المهنية، يمكن للمغرب أن يقدم نموذجاً فريداً يجمع بين صرامة القانون ورحمة التسامح مع التجار الصغار.
لنجعل رمضان 2026 شهراً مباركاً على الجميع… اقتصادياً وروحياً.















