
مسجد الكتبية.. منارة مراكش المشرقة التي بناها ثلاثة ملوك وتُلقّب صومعتها “سبّابة مراكش”
مسجد الكتبية.. منارة مراكش المشرقة التي بناها ثلاثة ملوك وتُلقّب صومعتها “سبّابة مراكش”
في قلب مراكش، المدينة التي لا تنام، حيث تختلط أصوات المؤذنين برائحة التوابل والنعناع المنعش، يقف مسجد الكتبية شاهداً صامتاً على أحد أعظم فصول التاريخ المغربي. هذا المسجد ليس مجرد مكان للصلاة، بل هو رمز حضاري يجسد انتقال المغرب من عصر المرابطين إلى عصر الموحدين، ويحمل في طياته قصة ثلاثة ملوك شاركوا في تشييده، وصومعة أصبحت تُعرف باسم “سبّابة مراكش” لشكلها الذي يشبه الإصبع المرفوع نحو السماء. خلال شهر رمضان، يتحول هذا المعلم إلى قلب نابض يجمع آلاف المصلين في أجواء روحانية لا تُنسى، ويبقى حتى اليوم أحد أجمل نماذج العمارة الإسلامية في المغرب العربي.
ثلاثة ملوك ومسجد واحد: قصة بناء استغرقت نصف قرن
لم يُبنَ مسجد الكتبية في يوم وليلة، بل كان نتاج جهد ثلاثة ملوك من الدولة الموحدية، كل منهم أضاف لمسة خاصة إلى هذا الصرح العظيم.
عبد المؤمن بن علي الكومي (حكم 1130-1163م): هو الذي وضع الحجر الأول سنة 1147م، بعد انتصاره على المرابطين وسقوط مراكش. أمر ببناء المسجد الأول على أنقاض قصر الحجر المرابطي، لكن المسجد الأول واجه مشكلة في اتجاه القبلة (كان منحرفاً قليلاً عن الاتجاه الصحيح نحو مكة)، فلم يُكمل البناء وفق رؤيته.
أبو يعقوب يوسف (حكم 1163-1184م): ابن عبد المؤمن، أمر ببناء المسجد الثاني المجاور سنة 1158م لتصحيح اتجاه القبلة. هذا المسجد هو الذي بقي حتى اليوم، وأُضيفت إليه تفاصيل معمارية دقيقة في عهده.
أبو يوسف يعقوب المنصور (حكم 1184-1199م): حفيد عبد المؤمن، أكمل الزخارف والصومعة الشهيرة في الفترة بين 1195-1199م. هو الذي أعطى المسجد شكله النهائي الذي نعرفه اليوم، وأضاف لمسات فنية جعلت الصومعة أيقونة معمارية عالمية.
هكذا، شارك ثلاثة ملوك موحدون في بناء مسجد واحد، في عملية استغرقت أكثر من 50 عاماً، مما يجعل الكتبية شاهداً حياً على استمرارية الدولة الموحدية وقوتها الهندسية.
لماذا سُمّيت صومعته “سبّابة مراكش”؟
ترتفع صومعة الكتبية إلى 77 متراً، وتُعد من أجمل وأشهر الصوامع في العالم الإسلامي. شكلها الممدود والمستقيم، مع قمتها المدببة قليلاً، جعل المراكشيين يلقبونها بـ**”سبّابة مراكش”**، أي “الإصبع المرفوع”، في إشارة إلى شكلها الذي يشبه الإصبع الممدود نحو السماء، رمزاً للتوحيد والشهادة.
بنيت الصومعة من الحجر المنجور، مزينة بأقواس معقودة، شبابيك مزخرفة بأشكال هندسية، وتيجان فريدة في الأعلى.
تُعتبر النموذج الأول الذي أثر على الخيرالدا في إشبيلية (التي بُنيت لاحقاً مستوحاة منها تماماً)، وصومعة حسان في الرباط.
في الليل، تُضاء بأنوار ذهبية خافتة، مما يجعلها تبدو كمنارة مضيئة فوق المدينة الحمراء، خاصة أثناء رمضان حين تكون محاطة بأجواء احتفالية.
العمارة الموحدية في أبهى صورها
يمتد المسجد على مساحة 5300 متر مربع تقريباً، ويتميز بتصميم موحدي يجمع بين البساطة والقوة الهندسية. قاعة الصلاة مستطيلة، تضم 17 رواقاً موازياً لجدار القبلة، تحملها أعمدة رخامية وأقواس مدببة تذكر بأسلوب جامع القرويين في فاس.
الصحن: واسع ومفتوح، محاط برواق مثلث في الجهة الشمالية، ويحتوي على حوض دائري للوضوء.
المنبر: تحفة فنية صنع في قرطبة في القرن الثاني عشر، ويتميز بنظام سلالم متحركة آلياً – ابتكار هندسي نادر في ذلك العصر.
الزخارف: تعتمد على النقوش الهندسية والكوفية، مع لمسات من الزليج الملون في الواجهات العلوية، وتجنب الزخارف الحية (إنسانية أو حيوانية) وفق فلسفة الموحدين.
رمضان في مسجد الكتبية: تجربة روحانية لا تُنسى
خلال رمضان، يستقبل المسجد ما بين 25-30 ألف مصلٍ يومياً في الليالي العادية، ويتجاوز العدد 100 ألف في ليلة القدر وختم القرآن. أجواء صلاة التراويح فيه تُبهر الجميع، حيث يمتزج صوت القرآن مع هدوء الصحن المضاء بالأنوار الخافتة، ويُوزع الإفطار الجماعي على المحتاجين في أجواء تضامنية.
يقع المسجد قرب ساحة جامع الفنا، مما يجعله جزءاً من النسيج الثقافي الحي لمراكش، ويرمز إلى التسامح الديني والتراث المشترك في المغرب.
مسجد الكتبية ليس مجرد مسجد؛ إنه قصة ملوك ثلاثة، صومعة لُقبت بـ”سبّابة مراكش”، وشهادة على عبقرية المغرب في الفن والهندسة والروحانية. في رمضان، يصبح رمزاً للوحدة والتآلف، يذكرنا أن التراث المغربي يجمعنا جميعاً تحت سماء واحدة.






















