
مصر تشرع في حَوْكَمَة البحر الأحمر
بقلم: د. محمد المنشاوي
على مدى العامين الأخيرين ، تَأكدَ للقوى الدولية الكبرى أن أياً من ملفات إقليم الشرق الأوسط لن يُغلق ما لم تقل مصر كلمتها أو على الأقل أن تبارك إغلاقه، لتشرع القاهرة الآن وبقوة في حَوْكمة البحر الأحمر في مجابهة المتربصين والمتنمرين والحاقدين وصغار العابثين.
فمصر التي استدعت على أرضها – في غضون أسبوعين – قادة القوى الدولية المؤثرة في شرم الشيخ في 14 الشهر الماضي لوقف الحرب على حدودها في غزة، وحشدت السبت الماضي ملوكهم وزعمائهم وأبهرت شعوبهم بالاحتفال الأسطوري لافتتاح المتحف الكبير، قادرة أيضاً على غلق ملف العبث في منطقة البحر الأحمر ووئد أحلام الطامعين من غير المتشاطئين بمعاونة وتطواطؤ المجاورين حقداً على المصريين.
فما كادت مصر توقف الحرب عند حدودها في غزة وانصاع العالم لكلمتها، حتى خرج علينا قادة أثيوبيا الحبيسة برفع شعار التحدي الذي يتجاوز قدراتهم، ويعلن الجنرال برهانو جولا رئيس أركان الجيش الأثيوبي “لن نبقى محرومين من البحر وسنصل إليه بكل الوسائل اللازمة” في تصريح استفزازي يزيد من التوتر في منطقة القرن الأفريقي… في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة بسبب سعي هذه الدولة غير الساحلية بالقوة وبالتواطؤ مع دول بالإقليم وخارجه للوصول إلى الموانئ البحرية، غير مكتفين بما جروه على مصر والسودان بأفعالهم الآحادية الفاسدة في سد الخراب الأثيوبي.
أغلب الظن أن الأثيوبيين بزعامة آبي أحمد رئيس الوزراء قد أدمنوا التصرفات الآحادية في سياساتهم مع الجيران بإشعال الحروب والنزاعات على نهج وخطى أصدقائهم الإسرائيليين، ليرد وزير الخارجية بدر عبدالعاطي أن حوكمة البحر الأحمر شأن يخص الدول المتشاطئة على البحر الأحمر فقط، ولا يحق لأي دولة غير مطلة على البحر الأحمر التدخل أو المشاركة في آليات حوكمته.
لقد رَوْج آبي أحمد – كذباً- لسد الخراب الأثيوبي على أنه أيقونة النهضة الحبشية والخلاص لشعب فقير يتألف من نحو 78 من القوميات العرقية أنهكتها النزاعات والحروب الأهلية، لتظهر العلامات الأولى الدالة على خطأ بنائه وتصميمه، فلا انتفع منه الأثيوبيون ولا سَلِم من فيضانه السودانيون، فما بالكم لو انهار كما يتوقع له الآخرون!
لقد أقيم هذا السد بدافع المكيدة والتنمر السياسي وإنكار حقوق الآخرين، من جانب نظامٍ حُكم طامعٍ في البقاء بمقعده على رأس دولة تعج بأربعة عشر نهراً وعشر بحيرات لوفرة ما يهطل عليها من أمطار سنوية، من دون تنسيق أو ترتيب مع دولتي المصب السودان ومصر.
وكان بمقدور آبي أحمد تجنب هذا الوضع الكارثي لو احتكم لمنطق العقل بدلاً تبني قرارات آحادية أغرقته، عندما انشغل بإقصاء مصر من دون الاستفادة من خبراتها التي شيدت لتنزانيا في ذات الوقت سداً عظيماً تشهد به أفريقيا الآن.
فبعد أحداث 25 يناير 2011 وما أعقبها من الضعف وانشغال الجيش بمجابهة مخططات أعداء الداخل والخارج، استغلت الحكومة الأثيوبية تعاونها مع إسرائيل والغرب تلك الفوضى لتعلن في 2 أبريل 2011 عن وضع حجر الأساس لأكبر سد على النيل الأزق بسعة 64 مليار متر مكعب، أسمته بسد الألفية الجديد.
واتسم الإعلان الاحتفالي الدعائي لحكومة آبي أحمد عن افتتاح المشروع بفيضٍ من الدعاية الكاذبة والمبالغة والتهويل حول منافع السد للشعب الأثيوبي الفقير، البالغ تعداده نحو مائه وخمسون مليون نسمة، والآن وبعد مرور نحو 14 عاماً على بدء تشغيله، يتساءل المرء: هل تحقق ما صوروه للشعب الأثيوبي في دعاياتهم؟ وهل لديه الشجاعة لأن يصارح شعبه بما آل إليه الأمر بعد أن تضاعفت التكلفة إلى أكثر من 9 مليار دولار من دون أن يكتمل تشغيله؟
والسبب أن بحيرة السد تقع على مستوى أقل من 620 متراً فوق سطح البحر، في حين أن معظم الشعب الأثيوبي يعيش على ارتفاع 200 متراً فوق سطح البحر، كما لم تتم زراعة قيراط واحد من الأرض في منطقة السد، ولم تتم إنارة أي بيت ل 70 مليون مواطن يعيشون بدون كهراء في هذه الدولة، والسبب عدم وجود شبكة جديدة لنقل الكهرباء.
أغلب الظن أن هذه الحكومة ورئيسها آبي أحمد، كان يتمنى طوال هذه السنين لكي يزيح عن كاهلة فشله بهذا المشروع أن يبلع المصريون الطعم ويقوم الجيش المصري بتدميره ليخلصه مما تورط فيه بإيعاذٍ من الصهاينة والغرب، لتوريط مصر في حرب مع أثيوبيا، غير أن رشادة القيادة المصرية السياسية قد فطنت لأهداف الأثيوبيين ومَنْ ورائهم.
ولأن سيناريو إنهيار السد أمر وارد، استعدت مصر بالتدابير اللازمة لتجنيب الدولة المصرية مخاطر المياه المتدفقة، فأقامت قناطر أسيوط بقدرة تخزينية 60 مليار متر مكعب وهي بمفردها تساوي بحيرة سد النهضة، كما أنشأت مفيض توشكا وسعته 50 مليار متر مكعب وسحارات سرابيوم وقناطر ديروط بأكثر من 40 مليار متر مكعب، وتوسيع للرياحات وزيادة سعة السد العالي، وتبطين الترع بما يزيد من سعتها المائية بما لايقل عن 20 مليار متر مكعب.
لقد أطفأت مصر الحرب على حدودها في غزة، فكَرِه الحاقدون ذلك وأشعلوها في السودان، والآن يريد الصهاينة والأحباش والكارهون لنا إشعالها في إريتريا، والسبب أن مصر وإريتريا تربطهما إتفاقية دفاع مشترك، ظناً منهم أنه لو كانت مصر قد دخلت في حرب غزة، فقد تدخل أيضآ في السودان وإريتريا.
لقد اجتمع الإسرائيليون والأحباش وصهاينة الجيران من بني جلدتنا على هدف شغلنا وانشغالنا وتفكيكنا وإضعافنا، لأنهم يريدون مصر دولة تابعة، لكن القاهرة في ظل قيادة رشيدة تقف لهم عند كل نازلة بالمرصاد، ولن تسمح بإضعاف جيشنا الذي بنيناه بصبر وجلد وتعقُل.















