
ميناء الناظور غرب المتوسط.. رؤية ملكية تحول ميناءً إلى مشروع نهضة شاملة لجهة الريف
في 28 يناير 2026، أصدر الديوان الملكي بلاغًا يُعد بمثابة خارطة طريق واضحة وطموحة لأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في تاريخ المغرب الحديث: ميناء الناظور غرب المتوسط. بعد النجاح اللافت الذي حققه ميناء طنجة المتوسط – الذي أصبح الأول إفريقيًا ومتوسطيًا من حيث حركة الحاويات – يأتي هذا المشروع ليكمل المنظومة المينائية الوطنية، ويحول جهة الريف من منطقة مهمشة تاريخيًا إلى قطب اقتصادي ولوجستي عالمي.
لكن ما يميز هذا المشروع ليس فقط أرقامه الضخمة أو سعته الاستثنائية، بل الرؤية الملكية الشاملة التي تجعله أكثر من مجرد ميناء: إنه مشروع تنموي مندمج يجمع بين البنية التحتية، الطاقة، الصناعة، التكوين، التشغيل، والتأهيل الحضري. في هذا المقال، نستعرض تفاصيل المشروع، أبعاده الاستراتيجية، والحكمة الملكية التي تحولته إلى فرصة حقيقية لإعادة إحياء جهة الريف.
السياق الاستراتيجي: استكمال طموح طنجة المتوسط
منذ إطلاق طنجة المتوسط في 2007، أصبح المغرب لاعبًا رئيسيًا في خريطة الملاحة البحرية العالمية. اليوم يتعامل الميناء مع أكثر من 9 ملايين حاوية سنويًا، ويحتل المرتبة الأولى في إفريقيا والرابعة في حوض المتوسط. لكن الطموح الملكي لم يتوقف عند نقطة واحدة.
ميناء الناظور غرب المتوسط يأتي ليغطي الواجهة الشرقية للمغرب، ويخلق توازنًا جغرافيًا داخل المنظومة المينائية الوطنية. موقعه الاستراتيجي على البحر الأبيض المتوسط، قرب مضيق جبل طارق وطرق الملاحة الرئيسية نحو أوروبا وآسيا، يجعله بوابة طبيعية للتجارة مع جنوب أوروبا والشرق الأوسط.
البنية التحتية: أرقام تتحدث عن طموح غير مسبوق
حسب البلاغ الملكي، بلغت الاستثمارات العمومية والخاصة في المشروع حتى الآن 51 مليار درهم، منها 20 مليار درهم استثمارات خاصة مؤكدة من فاعلين دوليين كبار. هذه الأرقام تعكس ثقة المستثمرين في الرؤية المغربية.
- كاسرات الأمواج: 5.4 كيلومتر (واحدة من أطول الكاسرات في المتوسط).
- الأرصفة: 4 كيلومترات مجهزة بالفعل.
- محطات الطاقة: 4 مراكز طاقية مكتملة.
- محطتا الحاويات: عقدا الامتياز وقِّعا، وستبدآن العمل تدريجيًا خلال 2026.
- محطة الغاز الطبيعي المسال (LNG): الأولى في المغرب، بطاقة استيعاب سنوية 5 مليارات متر مكعب، إضافة إلى محطة محروقات.
عند التشغيل الكامل، ستصل الطاقة الاستيعابية إلى:
- 5 ملايين حاوية سنويًا في المرحلة الأولى.
- 35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة.
- على المدى البعيد: 12 مليون حاوية و15 مليون طن إضافية.
البعد الطاقي: خطوة كبرى نحو السيادة الطاقية
أحد أبرز مكونات المشروع هو مركز الطاقة الذي يضم أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة. هذه المحطة ليست مجرد بنية تحتية، بل استجابة استراتيجية لثلاثة تحديات كبرى:
- تقليص الاعتماد على الفحم والوقود السائل المستوردين بكلفة باهظة.
- تأمين إمدادات مستقرة لمحطات الكهرباء والصناعات الثقيلة.
- تمكين المغرب من دخول سوق الغاز الطبيعي العالمي كلاعب نشط.
مع تزايد الطلب على الطاقة في ظل التحول الصناعي والنمو السكاني، يصبح هذا المكون ركيزة أساسية لتحقيق السيادة الطاقية التي يوليها الملك أهمية قصوى.
المنصة الصناعية واللوجستية: 700 هكتار من الفرص
إلى جانب المرفأ، يشمل المشروع منطقة أنشطة صناعية ولوجستية تمتد على 700 هكتار في المرحلة الأولى. هذه المنطقة بدأت فعليًا في استقطاب شركات دولية كبرى في قطاعات:
- الصناعات التحويلية.
- اللوجستيك والتخزين.
- الصناعات الطاقية والكيميائية.
- صناعة السيارات والطيران (مكملة لمنظومة طنجة).
الاستثمارات الخاصة المؤكدة بلغت 20 مليار درهم، وهو دليل واضح على الثقة التي يحظى بها المغرب لدى المستثمرين الأجانب.
الحكمة الملكية: من الميناء إلى التنمية الشاملة
ما يميز الرؤية الملكية في هذا المشروع هو التركيز على التنمية المتوازنة والإدماج الاجتماعي. في البلاغ، أعطى الملك تعليمات سامية واضحة:
- تأمين انطلاق المشروع في أحسن الظروف.
- وضع برامج تكوين متخصصة لمواكبة المستثمرين.
- تيسير اندماج الشباب وتعزيز فرص تشغيلهم.
- مواكبة المشروع ببرامج التأهيل الحضري لتحسين الإطار المعيشي في المنطقة.
- إنجاز مخطط عمل متعدد الأبعاد يضمن استفادة جميع الأقاليم المجاورة.
هذه التعليمات ليست شعارات، بل تعكس إصرارًا على ألا يبقى المشروع مجرد ميناء، بل أن يصبح محركًا للتنمية البشرية في جهة لطالما عانت من التهميش.
الآثار المنتظرة على جهة الريف
جهة الريف، التي تضم أقاليم الناظور، الحسيمة، وبركان، ستشهد تحولًا جذريًا:
- خلق عشرات الآلاف من فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة.
- تطوير البنية التحتية الحضرية (طرق، ماء، كهرباء، صرف صحي).
- ارتفاع قيمة العقار وجذب السكان الجدد.
- تنشيط السياحة الساحلية والثقافية المرتبطة بالمنطقة.
- تعزيز التمدرس والتكوين المهني لتلبية احتياجات السوق الجديد.
تحديات وآفاق مستقبلية
رغم التقدم الكبير، يبقى أمام المشروع تحديات:
- ضمان الاستدامة البيئية في منطقة حساسة بيئيًا.
- تسريع برامج التكوين لتفادي الهجرة الخارجية لليد العاملة.
- مواجهة المنافسة الإقليمية (الجزائر، تركيا، مصر).
لكن مع الإرادة الملكية والاستثمارات الضخمة، يبدو أن الناظور غرب المتوسط في طريقه ليصبح نموذجًا للتنمية المندمجة في إفريقيا.
مشروع يجسد طموح المغرب الجديد
ميناء الناظور غرب المتوسط ليس مجرد بنية تحتية، بل هو تجسيد حي للرؤية الملكية التي تربط بين التنافسية الاقتصادية والعدالة المجالية والكرامة الإنسانية. من خلال هذا المشروع، يؤكد المغرب أن التنمية لا تُقاس فقط بالأرقام، بل بمدى قدرتها على تغيير حياة الناس وإعادة الاعتبار لمناطق كانت مهمشة.
مع انطلاق المحطات الأولى خلال 2026، يبدأ فصل جديد في تاريخ جهة الريف.. فصل عنوانه النهضة الشاملة والإشعاع الدولي.















