
طهران على حافة الانفجار النووي
اشتباك دبلوماسي خطير بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية يهدد أمن المنطقة والعالم
كتب أحمد سمير
في مشهد يعيد إلى الأذهان سباق التسلح النووي الإيراني في الشرق الأوسط، تصاعدت الأزمة مرة أخرى بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مستوى غير مسبوق من التوتر.
فقد صدر أمس الأربعاء تقرير رسمي عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، اتهم فيه المدير العام للوكالة “رافائيل ماريانو غروسي” طهران بأنها تعرقل عمل المفتشين، وتمنع وصولهم إلى مواقع نووية حساسة مثل مفاعلات أصفهان وفوردو.
لترد إيران بعنف، موجهة الاتهام إلى الوكالة بالانحياز إلى إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، مؤكدة أنها لن تسمح بالتفتيش تحت أي ضغوطات. وقد أكدت تقارير وتصريحات من واشنطن وتل أبيب أن مستويات تخصيب اليورانيوم أصبحت مرتفعة، ليقف الملف النووي الإيراني اليوم على حافة الاشتعال مرة أخرى في مشهد قد يعيد رسم معادلات القوة في المنطقة بأكملها.
خلفية تاريخية: خلفيات الأزمة والتطورات الأخيرة
بدأت الأزمة من جديد عندما كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، ومقرها في فيينا، أن طهران تمنع المفتشين لدى الوكالة من دخول ثلاثة مواقع نووية رئيسية، بالرغم من تعهد إيران بالسماح بالتفتيش الدوري في اتفاق الضمانات. التقرير، الذي وقعه “رافائيل غروسي” المدير العام للوكالة والذي يشغل هذا المنصب منذ ديسمبر عام 2019 حتى الآن، أوضح أن إيران لم تقدم أي بيانات كافية ودقيقة حول كميات اليورانيوم التي يتم تخصيبها في منشآتي “نطنز” و”فوردو”، وأن مستويات التخصيب قد اقتربت من 90%، وهي النسبة التي تستخدم عادة في إنتاج السلاح النووي.
على الجانب الآخر، قامت منظمة الطاقة النووية في إيران برئاسة محمد إسلامي، نائب رئيس الجمهورية، برفض التقرير واصفة إياه بأنه مفبرك سياسياً، وأن هدفه تشويه صورة إيران في مجلس محافظي الوكالة. وهذا ما أكده إسلامي في تصريح نقلته وكالة “إرنا” الإيرانية، بأن إيران ملتزمة بالاتفاق النووي طالما التزمت الأطراف الأخرى، أما التفتيش الزائد عن الحدود فهو عمل استخباراتي مرفوض.
هذا وقد أكد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان أن بلاده لن تقبل أي ابتزاز دبلوماسي، في إشارة إلى أن بعض القوى الغربية تحاول استخدام الوكالة كغطاء سياسي لتمهيد الطريق أمام هجمات إسرائيلية جديدة على المنشآت النووية الإيرانية.
المواقع النووية محل الخلاف
منشأة “نطنز”: تعتبر من أكبر المنشآت في تخصيب اليورانيوم، وتقع وسط إيران. تضم أكثر من 17 ألف جهاز طرد مركزي من طرازات مختلفة مثل “IR-6″ و”IR-1”. تعرضت لهجمات تخريبية متكررة خلال السنوات الماضية.
منشأة “فوردو”: تقع بالقرب من مدينة “قم”، وقد أقيمت تحت الأرض في أعماق الجبال لتكون محصنة ضد أي هجمات جوية. أشارت تقارير أخيرة إلى رفض إيران السماح بتفتيشها الكامل منذ منتصف أكتوبر الماضي 2025.
منشأة “أصفهان”: صممت خصيصاً لتحويل اليورانيوم الخام إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم، وهو العنصر الأساسي الذي يستخدم في عمليات التخصيب.
وبحسب تقارير الوكالة، فإن رفض إيران السماح بالوصول إلى هذه المواقع يفقد المجتمع الدولي القدرة على التحقق من الاستخدام السلمي للبرنامج النووي الإيراني، ما يشكل تهديداً مباشراً لنظام منع الانتشار النووي العالمي.
الموقف الدولي والإقليمي
الولايات المتحدة: تطالب وزارة الخارجية الأميركية إيران بالتعاون الفوري مع الوكالة، مطلقة تحذيراً من إجراءات جديدة قد تشمل عقوبات اقتصادية إضافية أو إعادة الملف إلى مجلس الأمن الدولي. أشار المتحدث الرسمي باسم الوزارة إلى أن الصبر الدولي بدأ ينفد، وأن أي محاولات لرفع مستوى التخصيب ستقابل برد منسق مع الشركاء الأوروبيين.
الاتحاد الأوروبي: دعا جوزيب بوريل إلى ضبط النفس واستئناف المفاوضات النووية، مؤكداً أن المواجهة لن تخدم أحداً، وأن الحل الوحيد هو العودة إلى الالتزامات المتبادلة.
إسرائيل: شددت تل أبيب على أنها لن تسمح لإيران بالوصول إلى سلاح نووي، ملمحة إلى إمكانية اتخاذ إجراءات وقائية.
التأثيرات المحتملة على المنطقة ومصر
ارتفاع أسعار الطاقة: قد يحدث في حال وقوع أي توتر كبير في الخليج، مما يؤثر على ميزانيات الدول المستوردة والإنفاق العام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
احتمالية استهداف المضائق البحرية والبحر الأحمر: عبر خطوط الشحن أو هجمات بالوكالة، مما يزيد من مخاطر مرور السفن، ويعتبر ذا أهمية لمصر حيث يؤثر تجارياً على مرور السفن من قناة السويس.
حدوث تصعيد: قد يؤدي إلى موجات نزوح أو أزمات إنسانية، خاصة إذا رافقته هجمات أو تدهور أمني في دول الجوار.
الضغوطات السياسية الداخلية: قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار أو مخاوف أمنية يمكن أن تؤثر على المشهد السياسي الداخلي في دول عربية، بما في ذلك مطالبات بموقف دبلوماسي أو دفاعي واضح.
ضغط على الدول العربية: قد تتعرض لضغط لاتخاذ موقف أو المشاركة في مبادرات وساطة، وهو مجال قابل للتنسيق مع مصر التي تلعب دوراً إقليمياً تقليدياً.
السيناريوات المتوقعة
السيناريو الدبلوماسي: حدوث وساطة إقليمية أو أوروبية تعيد فتح قنوات التفتيش وتوافقات مؤقتة تسمح بوصول المفتشين مقابل بعض الطمأنينة من إيران. قد يؤثر هذا بشكل إيجابي ويؤدي إلى هدوء مؤقت في الأسواق وتخفيف احتمال عقوبات جديدة، وهو السيناريو الأكثر رغبة.
عقوبات دولية مشددة: حال استمرار الرفض، قد تتجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نحو حزمة عقوبات أشد، قد تتمثل في عقوبات اقتصادية وقيود على صادرات الطاقة، أو إعادة الملف إلى القرارات الدولية. من الممكن أن يؤدي هذا إلى ضغوط اقتصادية على إيران وتصعيد سياسي إقليمي.
عمليات عسكرية غير مباشرة: حدوث ضربات محدودة أو عمليات إسرائيلية سرية أو بالوكالة تستهدف منشآت أو قدرات. من الممكن أن تؤدي إلى تصعيد إقليمي غير مباشر، مثل هجمات على سفن، أو هجمات مضادة على قواعد إقليمية، أو هجمات إلكترونية، وقد يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهات أوسع في الخليج والبحر الأحمر.
إعادة تفاوض شاملة: قرارات دولية جديدة حول قيود أطول مع مراقبة أشد، مقابل تخفيف العقوبات. لكن هذا الأمر يتطلب تنازلات كبيرة ويستغرق وقتاً سياسياً.
أخيرا
تكشف الأزمة الحالية بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية عن تحول نوعي في موازين القوى الإقليمية، حيث تسعى طهران لإثبات نفسها كقوة نووية، فيما تحاول الوكالة والمجتمع الدولي منع هذا التحول دون الإنزلاق إلى حرب جديدة.
الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يجدان نفسيهما أمام مأزق مزدوج: التساهل مع طهران يعني انهيار نظام منع الانتشار النووي، أما التصعيد المفرط فقد يشمل مواجهة إقليمية شاملة.
إسرائيل بدورها تلوح بالخيار العسكري، وهو الأمر الذي يثير احتمال إنزلاق الشرق الأوسط نحو موجة عنف قد تمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط.
الوطن العربي في اختبار استراتيجي صعب بين الحفاظ على التوازنات الأمنية على المستوى الإقليمي، وبين دعم المسار الدبلوماسي لمنع الإنفجار النووي المقبل.
وفي النهاية، لم يعد السؤال الحقيقي: هل تمتلك إيران القدرات الكافية لإنتاج سلاح نووي؟ بل أصبح السؤال أكثر خطورة: من سيُشعل الشرارة الأولى في معركة قد تغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد؟















