alalamiyanews.com

الوضع في اليمن: بؤرة توتر مفتوحة على سيناريوهات الانفجار الإقليمي

تحولات الجنوب، صراع النفوذ، ومستقبل الحرب اليمنية في ميزان التوازنات الإقليمية

0 Shares
57 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

متابعة : أحمد سمير

يظل الملف اليمني واحدًا من أكثر ملفات التوتر تعقيدًا وتشابكًا في المنطقة العربية، ليس فقط بسبب امتداد الحرب الأهلية لأكثر من عقد، بل بسبب تعدد الفاعلين المحليين والإقليميين، وتداخل الأجندات السياسية والعسكرية، وغياب حل شامل يضع حدًا لحالة التفكك والانقسام. ورغم فترات الهدوء النسبي التي شهدها اليمن مؤخرًا، فإن التقارير التحليلية تؤكد أن جذور الصراع لا تزال قائمة، وأن أي تغير في موازين القوى، خصوصًا في جنوب البلاد، قد يعيد تفجير النزاع على نطاق أوسع، مع تداعيات إقليمية مباشرة.

التحولات الجارية في الجنوب اليمني، وسيطرة القوات الانفصالية المدعومة إماراتيًا على مفاصل حيوية، مقابل حسابات السعودية الأمنية والسياسية، تجعل من اليمن ساحة توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة. هذا التقرير يستعرض أبعاد الأزمة اليمنية، ويحلل ديناميكيات الصراع الحالية، ويرسم سيناريوهات محتملة لمستقبل الوضع في ظل التوازنات الإقليمية المتغيرة.

” خلفية الصراع اليمني… حرب بلا نهاية واضحة ” :

بدأت الأزمة اليمنية في شكلها الحالي مع تصاعد الصراع السياسي عقب ثورة 2011، ثم تحولت إلى حرب شاملة بعد سيطرة جماعة الحوثي على صنعاء في 2014، وما تبع ذلك من تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في 2015. ومنذ ذلك الحين، دخل اليمن في دوامة حرب متعددة المستويات:

صراع داخلي بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي.

نزاع جنوبي – جنوبي بين قوى انفصالية وقوى موالية للشرعية.

صراع نفوذ إقليمي بين السعودية وإيران، مع دور متزايد للإمارات.

هذه التركيبة المعقدة جعلت من اليمن ساحة صراع مفتوحة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، خصوصًا في ظل الموقع الاستراتيجي للبلاد المطل على باب المندب وخطوط الملاحة الدولية .

” الجنوب اليمني… مركز الثقل الجديد للتوتر ” : 

خلال السنوات الأخيرة، تحوّل جنوب اليمن إلى بؤرة التوتر الرئيسية، بعد تراجع حدة المواجهات المباشرة مع الحوثيين في بعض الجبهات. ويعود ذلك إلى عدة عوامل:

تعاظم نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي

المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، تمكن من فرض سيطرته على عدن وأجزاء واسعة من محافظات الجنوب، مستندًا إلى قوة عسكرية منظمة وخطاب سياسي يدعو لاستعادة دولة الجنوب السابقة.

تراجع نفوذ الحكومة الشرعية في الجنوب

تعاني الحكومة المعترف بها دوليًا من ضعف مؤسسي وأمني، ما جعلها غير قادرة على فرض سلطتها الكاملة في المناطق الجنوبية، الأمر الذي عزز من نفوذ القوى الانفصالية.

البعد الاقتصادي والسياسي للجنوب

الجنوب يضم موانئ استراتيجية وموارد طبيعية مهمة، ما يجعله محورًا للتنافس الداخلي والإقليمي، خصوصًا مع تزايد الاهتمام بخطوط التجارة والطاقة في البحر الأحمر وخليج عدن.

” الدور الإماراتي… دعم الانفصال أم إدارة نفوذ ” ؟

تلعب الإمارات دورًا محوريًا في الجنوب اليمني، عبر دعمها العسكري والسياسي للمجلس الانتقالي الجنوبي. ويُنظر إلى هذا الدور من زاويتين:

منظور إماراتي : تعتبر أبوظبي أن دعم القوى المحلية القوية في الجنوب يساهم في مكافحة الجماعات المتطرفة، وتأمين الموانئ والممرات البحرية الحيوية.

منظور إقليمي ودولي : يرى مراقبون أن الإمارات تسعى لترسيخ نفوذ طويل الأمد في مناطق استراتيجية، بما يضمن لها دورًا مؤثرًا في معادلات الأمن الإقليمي.

هذا الدور، رغم أنه يتقاطع أحيانًا مع أهداف التحالف العربي، إلا أنه يخلق توترًا غير معلن مع السعودية، التي تفضّل الحفاظ على يمن موحد، ولو بصيغة فيدرالية.

” الموقف السعودي… حسابات الأمن والحدود ” 

السعودية، باعتبارها الطرف الإقليمي الأكثر تأثرًا بما يجري في اليمن، تنظر بقلق إلى التحولات في الجنوب. فبالنسبة للرياض:

أي تفكك دائم لليمن قد يخلق فراغًا أمنيًا على حدودها الجنوبية.

تنامي نفوذ قوى غير خاضعة للحكومة المركزية يهدد بإطالة أمد عدم الاستقرار.

استمرار الصراع يعرقل مساعي السعودية لإغلاق ملف الحرب والتفرغ لأولويات اقتصادية وتنموية داخلية.

من هنا، تحاول الرياض الموازنة بين دعم الحكومة الشرعية، والتعامل الواقعي مع القوى المسيطرة على الأرض، دون السماح بانفجار صراع جنوبي – سعودي غير مباشر.

” الأبعاد الإقليمية والدولية للأزمة اليمنية ” 

لا يمكن فصل الوضع في اليمن عن السياق الإقليمي الأوسع. فالتوترات في البحر الأحمر، والصراع الإيراني – الغربي، والتنافس على الممرات البحرية، كلها عوامل تزيد من حساسية الملف اليمني. كما أن أي تصعيد عسكري واسع قد يؤثر على:

أمن الملاحة الدولية في باب المندب.

أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

استقرار دول الجوار، خاصة القرن الأفريقي.

ولهذا، يظل اليمن ملفًا يحظى بمتابعة دولية دقيقة، رغم تراجع حضوره الإعلامي أحيانًا.

” السيناريوهات المحتملة لمستقبل الوضع في اليمن ” 

” السيناريو الأول: استمرار الجمود والصراع منخفض الحدة ” 

في هذا السيناريو، يستمر الوضع الحالي دون حسم عسكري أو سياسي.

بقاء الانقسام بين الشمال والجنوب.

استمرار سيطرة القوى الانفصالية على الجنوب.

هدوء نسبي يتخلله تصعيد محدود.

هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، لكنه يكرّس حالة اللا دولة.

” السيناريو الثاني: انفجار الصراع في الجنوب ” 

قد يؤدي أي خلاف حاد بين القوى الجنوبية أو تدخل إقليمي مباشر إلى تفجر مواجهات واسعة.

صدام بين المجلس الانتقالي وقوى موالية للشرعية.

توتر سعودي – إماراتي غير مباشر على الأرض.

عودة التصعيد العسكري الشامل.

هذا السيناريو يحمل مخاطر إقليمية كبيرة.

” السيناريو الثالث: تسوية سياسية جزئية ” 

يقوم هذا السيناريو على تفاهمات مرحلية:

تقاسم نفوذ في الجنوب.

ترتيبات أمنية برعاية إقليمية.

تأجيل حسم القضايا الكبرى.

ورغم أنه يخفف التوتر، إلا أنه لا يعالج جذور الأزمة.

” السيناريو الرابع: تسوية شاملة طويلة الأمد “

وهو السيناريو الأقل احتمالًا، ويتطلب:

توافقًا يمنيًا داخليًا.

ضمانات إقليمية ودولية.

إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.

لكن تعقيدات الواقع تجعل تحقيقه صعبًا في المدى المنظور.

وفى النهاية يبقى اليمن، بكل تعقيداته وتشابكاته، ملف توتر مفتوحًا على احتمالات متعددة، تتراوح بين الجمود والانفجار. فالتحولات في الجنوب، وتعدد مراكز القوة، وتباين المصالح الإقليمية، كلها عوامل تجعل من أي هدوء قائم حالة مؤقتة وقابلة للانهيار. وبينما تسعى القوى الإقليمية إلى إدارة الأزمة بدل حلها جذريًا، يدفع الشعب اليمني الثمن الأكبر من أمنه واستقراره ومستقبله.

مستقبل اليمن سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف المحلية والإقليمية على تجاوز منطق الصراع الصفري، والانتقال إلى مقاربة سياسية شاملة، تعيد للدولة اليمنية وحدتها أو تعيد تعريفها ضمن إطار توافقي. وحتى يتحقق ذلك، سيظل اليمن بؤرة توتر تُتابَع عن قرب، ومصدر قلق دائم في معادلات الأمن الإقليمي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق