google-site-verification=ojl4UTvFJTor1toLVdeMvgoiJKXh16jSxXr7yx5eF3w

alalamiyanews.com

Al Alamaiya News

لماذا لا ترى أنفك رغم أنه معلق أمام عينيك طوال الوقت؟

0 Shares
74 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

قد يبدو السؤال غريبًا في البداية، لكن إجابته تفتح بابًا واسعًا على أحد أكثر الأسرار إثارة في علم الإدراك البشري: الدماغ لا يرى العالم كما هو، بل يبني نسخة مفيدة منه. أنفك موجود فعلاً في مجال رؤيتك دائمًا – خاصة في الجزء السفلي من الوسط – لكنك نادرًا ما تلاحظه. هذا التجاهل الدائم ليس خللاً، بل استراتيجية عبقرية طوّرها الدماغ على ملايين السنين ليحافظ على كفاءته ويوفر طاقته.

الدماغ لا يصور.. بل يتنبأ

يقول مايكل ويبستر، أستاذ علم النفس وعالم الرؤية في جامعة نيفادا رينو، إن الرؤية ليست عملية نقل سلبية للصورة من العين إلى الدماغ، بل عملية تنبؤ نشطة. الدماغ يعرف مسبقًا شكل أنفك، موقعه، لونه، وحجمه النسبي. لذلك يصنفه ضمن فئة المعلومات الثابتة غير المهمة، فيقوم بـكبت إشاراته العصبية بشكل شبه كامل.

هذا الكبت يحدث في مناطق متعددة من الدماغ، أبرزها القشرة البصرية الأولية (V1) والمناطق العليا المسؤولة عن الانتباه الانتقائي (مثل الجزء الجداري والجبهي). النتيجة: الإشارات القادمة من أنفك تصل فعلاً إلى الدماغ، لكنها تُصنف كـضوضاء خلفية ولا تُرفع إلى مستوى الوعي.

لماذا يتجاهل الدماغ أجزاء من جسمه؟

هذا التجاهل ليس مقصورًا على الأنف فقط، بل يشمل أجزاء كثيرة من الجسم تقع ضمن مجال الرؤية:

  • الأنف (الأكثر وضوحًا).
  • الخدود والحواجب.
  • الرموش (التي تتحرك باستمرار).
  • الظلال التي يلقيها الجفن أو الحاجب.
  • حتى الأوعية الدموية داخل العين نفسها (التي تظهر كشبكة رفيعة إذا سلطت ضوءًا ساطعًا على عينك المفتوحة).

كل هذه العناصر تُعتبر ثابتة ومتوقعة، فالدماغ يقوم بما يُسمى الكبت الحسي الانتقائي (selective sensory suppression) ليحرر موارد الانتباه للأمور الجديدة أو المتغيرة أو الخطرة.

البقعة العمياء: دليل حي على ذكاء الدماغ

أحد أقوى الأدلة على هذه الآلية هو البقعة العمياء (blind spot). في كل عين توجد منطقة قطرها حوالي 5-6 درجات لا تحتوي على مستقبلات ضوئية لأنها مكان خروج العصب البصري. هذه المنطقة أكبر من حجم القمر في السماء، لكنك لا ترى ثقبًا أسود في وسط مجال رؤيتك. لماذا؟

لأن الدماغ يقوم بعملية تُسمى الملء الوهمي (filling-in): يأخذ المعلومات من المناطق المحيطة بالبقعة ويرسم ما يفترض أن يكون موجودًا هناك. إذا نظرت إلى جدار أبيض، يملأ الدماغ البقعة باللون الأبيض. إذا كان هناك خط أفقي يمر عبر البقعة، يستمر الخط كأنه لم ينقطع أبدًا.

هذه القدرة على الملء الوهمي هي نفسها التي تجعل أنفك “يختفي”: الدماغ يعرف أن الأنف موجود، لكنه يعتبره جزءًا من الخلفية الثابتة، فيملأ المكان المحيط به بما يراه مناسبًا للصورة الكلية.

تجربة بسيطة تثبت أنك ترى أنفك فعلاً

جرب الآن:

  1. امسك إصبعك السبابة أمام وجهك على بعد 20-30 سم.
  2. انظر مباشرة إلى إصبعك.
  3. دون أن تحرك عينيك، ركز انتباهك على أنفك.

ستلاحظ فجأة أن أنفك أصبح واضحًا جدًا في الجزء السفلي من مجال رؤيتك. لم يتغير شيء فيزيائيًا؛ ما تغير هو تخصيص الانتباه. الدماغ رفع مستوى معالجة الإشارات القادمة من الأنف من “خلفية” إلى “مقدمة”.

هذا يثبت نقطة أساسية: نرى أنفنا دائمًا، لكننا لا ننتبه إليه إلا إذا أجبرنا الدماغ على ذلك.

السبب التطوري: البقاء أهم من الجماليات

من منظور التطور، الانتباه مورد محدود. إذا أنفق الدماغ طاقة على مراقبة أنفك الثابت 24 ساعة يوميًا، لما بقي له ما يكفي لمراقبة:

  • حركة أسد في الغابة.
  • سقوط حجر من أعلى.
  • تغير تعبير وجه شخص يتحدث إليك.
  • ظهور ثعبان في العشب.

لذلك طوّر الجهاز العصبي نظام انتباه انتقائي (selective attention) يعطي الأولوية للمعلومات الجديدة أو ذات القيمة البقائية العالية، ويقلل من معالجة كل ما هو مألوف وثابت.

متى يظهر الأنف فجأة؟

  • عندما تُصاب بنزيف أنفي.
  • عندما يسيل مخاط بسبب برد.
  • عندما تضع نظارات جديدة وترى انعكاس إطارها.
  • عندما تمارس تمارين التركيز الذهني أو التأمل.

في كل هذه الحالات، يصبح الأنف متغيرًا أو غير متوقع، فيرفع الدماغ مستوى انتباهه إليه.

درس أعمق: الرؤية ليست الحقيقة.. بل تمثيل مفيد

يؤكد ويبستر أن ما نراه ليس صورة فوتوغرافية للواقع، بل تمثيل عملي يصنعه الدماغ ليخدمنا في الحياة اليومية. هذا التمثيل يحذف الكثير، يملأ الكثير، ويضيف الكثير، كل ذلك ليجعل العالم قابلاً للفهم والتصرف.

الأنف الذي “لا نراه” هو مجرد مثال صغير على ظاهرة كبيرة: الوعي البشري محدود، والدماغ يختار ما يرفعه إلى سطح الوعي بعناية فائقة. هذا الاختيار هو ما يجعلنا نعيش وننجو ونبدع، حتى لو كان يعني أننا نعيش معظم الوقت دون أن نلاحظ أحد أبرز ملامح وجهنا.

في المرة القادمة التي تتذكر فيها أنفك فجأة، تذكر: ليس الأنف هو الذي ظهر.. بل أنت من قررت أن تنتبه إليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق