
لأول مرة في المغرب.. “عقود الإدماج” تُتيح الفرصة للشباب غير الحاصلين على شهادات
في خطوة تُعد تحولاً استراتيجياً في سياسة التشغيل بالمغرب، صادق مجلس الحكومة يوم الخميس 29 يناير 2026، برئاسة رئيس الحكومة عزيز أخنوش، على مشروع قانون يُعدّل ويُتمم النصوص السابقة المتعلقة بـعقود التدريب من أجل الإدماج. التعديل الأبرز والأكثر أهمية في هذا المشروع هو توسيع نطاق الاستفادة من هذه العقود لتشمل – لأول مرة في تاريخ البرامج الحكومية – فئة طالبي الشغل غير الحاصلين على أي شهادة، بعد عقود طويلة كانت فيها هذه الفرص محصورة حصرياً في حاملي الديبلومات الباحثين عن أول تجربة مهنية.
هذا التغيير ليس مجرد تعديل تقني في نص قانوني، بل هو إعلان سياسي واضح بأن الحكومة قررت كسر احتكار فرص الإدماج المهني بالمؤهلات الأكاديمية، وفتح الباب أمام مئات الآلاف من الشباب الذين يشكلون الغالبية العظمى من العاطلين في سوق الشغل المغربي.
لماذا جاء هذا التعديل الآن؟
يندرج المشروع في سياق تنزيل خارطة الطريق الجديدة للتشغيل التي اعتمدتها الحكومة في فبراير 2025، والتي تتوخى ثلاثة أهداف رئيسية:
- رفع نجاعة السياسات النشيطة للتشغيل من خلال جعلها أكثر شمولاً وملاءمة مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل.
- تحقيق الإنصاف بين مختلف فئات الباحثين عن شغل، بغض النظر عن مستواهم التعليمي.
- مواكبة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها المملكة، خاصة في ظل تزايد الضغط الديمغرافي وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب غير المؤهلين أكاديمياً.
قبل هذا التعديل، كانت برامج عقود الإدماج (التي أُطلقت أساساً في إطار قانون 2006 وتعديلاته اللاحقة) تقتصر على حاملي شهادات البكالوريا فما فوق. هذا الإقصاء الفعلي ترك شريحة واسعة من الشباب – خاصة في المناطق القروية والأحياء الهامشية – خارج دائرة الدعم الحكومي، رغم أنهم يشكلون الغالبية الساحقة من العاطلين عن العمل.
ما الجديد في مشروع القانون؟
النص الجديد يقترح تعديلات جوهرية على القانون المنظم لعقود التدريب من أجل الإدماج، أبرزها:
- توسيع الاستفادة لتشمل جميع طالبي الشغل المسجلين لدى وكالة الإنعاش والإدماج الاقتصادي والاجتماعي (الأنابيك)، بغض النظر عن مستواهم التعليمي.
- إدراج فئة غير الحاصلين على شهادات ضمن الفئات المستهدفة بالدعم المالي والتكويني من الدولة.
- تعزيز الحوافز المقدمة للمقاولات التي تقبل تدريب وتشغيل هذه الفئة، من خلال إعفاءات ضريبية ودعم مالي مباشر أكبر.
- ربط العقود بمسارات تكوينية حقيقية تؤدي إلى شهادات مهنية معترف بها، وليس مجرد عقود مؤقتة.
هذه التعديلات تأتي استجابة مباشرة لما تضمنه قانون المالية لسنة 2025 من مستجدات، حيث خصصت الحكومة اعتمادات مالية إضافية لتمويل توسيع نطاق البرنامج.
أرقام تكشف حجم التحدي
- يُقدر عدد الشباب غير الحاصلين على شهادات (أميين أو حافظين على مستوى ابتدائي أو إعدادي غير مكتمل) ضمن العاطلين بأكثر من 60% من مجموع طالبي الشغل في المغرب، حسب إحصاءات الأنابيك لسنة 2025.
- معدل البطالة في صفوف الشباب (15-24 سنة) يتجاوز 35% في بعض الجهات، ويرتفع إلى أكثر من 50% في المناطق القروية.
- نسبة الشباب الذين لم يستفيدوا من أي برنامج إدماج حكومي خلال السنوات الخمس الأخيرة تتجاوز 80% في بعض الفئات غير المؤهلة أكاديمياً.
هذه الأرقام تُظهر أن الإقصاء السابق لفئة غير الحاصلين على شهادات كان يُعمق الفجوة الاجتماعية ويُفاقم الإحساس بالتهميش لدى شريحة واسعة من الشباب.
ردود الفعل الأولية: ترحيب مع تحفظات
- نقابات العمال: رحبت بقرار التوسيع، لكنها طالبت بضمانات حقيقية لتحويل عقود التدريب إلى عقود عمل دائمة بعد انتهاء الفترة التجريبية.
- أرباب العمل: اعتبروا التعديل فرصة لسد النقص في اليد العاملة غير المؤهلة أكاديمياً في قطاعات مثل البناء، الفلاحة، الصناعة التقليدية والخدمات.
- الجمعيات الشبابية: ثمنت الخطوة لكنها دعت إلى إرفاقها ببرامج تكوين مهني مكثفة ومراقبة صارمة للمقاولات المستفيدة لتجنب استغلال الشباب.
- الخبراء الاقتصاديون: يرون في التعديل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنهم يحذرون من أن نجاحه مرهون بجودة التكوين وجدية المقاولات في توظيف المتدربين بعد انتهاء العقد.
تحديات تنفيذية تنتظر البرنامج الجديد
رغم الإعلان الرسمي، يبقى نجاح التوسيع مرهوناً بعدة شروط:
- توفير غلاف مالي كافٍ لتغطية العدد المتزايد من المستفيدين.
- بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص لضمان وجود فرص تدريب وتشغيل فعلية.
- تطوير مسارات تكوينية قصيرة وموجهة تمنح المتدربين مهارات عملية سريعة التطبيق.
- وضع آليات مراقبة صارمة لمنع استغلال الشباب أو تحويل العقود إلى عمل مؤقت بدون أفق.
خطوة نحو تشغيل أكثر عدلاً وشمولاً
قرار توسيع عقود الإدماج ليشمل الشباب غير الحاصلين على شهادات ليس مجرد تعديل قانوني، بل هو إعلان سياسي بأن الحكومة قررت النظر إلى سوق الشغل بعين مختلفة: عين ترى في كل شاب مغربي – مهما كانت مؤهلاته الورقية – إمكانية حقيقية للاندماج والإسهام في التنمية.
إذا تم تنزيل هذا التعديل بجدية وشفافية، فقد يُشكل بداية حقبة جديدة تُعيد الأمل لشريحة واسعة من الشباب الذين طالما شعروا بأن أبواب الفرص مغلقة في وجوههم لمجرد عدم حملهم شهادة جامعية. والأشهر المقبلة ستكون كفيلة بإثبات ما إذا كان هذا القرار مجرد شعار انتخابي، أم بداية تحول حقيقي نحو سياسة تشغيل أكثر عدلاً وفعالية.















