alalamiyanews.com

Al Alamaiya News

جينات تحدد نصف عمرك.. دراسة جديدة تُغير فهم الشيخوخة

0 Shares
76 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

في اكتشاف يُعد من أبرز التحولات في فهم علم الشيخوخة خلال العقود الأخيرة، كشفت دراسة علمية ضخمة نُشرت في مجلة ساينس (Science) في يناير 2026 أن العوامل الوراثية تساهم بنحو 50% في تحديد عمر الإنسان الفعلي، وهي نسبة تفوق بكثير ما استقرت عليه التقديرات السابقة التي كانت تمنح الأولوية الكاسحة لنمط الحياة والعوامل البيئية.

الدراسة، التي أُجريت في معهد وايزمان للعلوم بإسرائيل بقيادة فريق دولي متعدد التخصصات، لم تقتصر على إعادة تقدير نسبة الوراثة فحسب، بل فكّت لغزاً ظلّ محيراً لعقود: لماذا يعيش توأمان متطابقان وراثياً – وتربيا في ظروف متشابهة – أحياناً فارقاً عمرياً يصل إلى عقود؟ الجواب، بحسب الباحثين، يكمن في عامل العشوائية البيولوجية الذي يتداخل مع الجينات، لكنه لا يلغي تأثيرها القوي.

في هذا المقال الشامل، نستعرض تفاصيل الدراسة، منهجيتها الرائدة، النتائج الأساسية، دلالاتها على مستقبل أبحاث الشيخوخة، وكيف تعيد هذه النتائج رسم التوازن بين الطبيعة (الجينات) والتربية (البيئة والنمط الحياتي) في مسألة أطول عمر ممكن للإنسان.

خلفية المشكلة: لماذا كانت نسبة الوراثة تبدو منخفضة لعقود؟

منذ دراسات التوائم الكلاسيكية في السبعينيات والثمانينيات، استقرت التقديرات العلمية على أن الوراثة تساهم بنسبة تتراوح بين 20–30% فقط في طول العمر، بينما يتحكم نمط الحياة (التغذية، الرياضة، التدخين، الضغط النفسي، جودة الرعاية الصحية) في النسبة الأكبر.

لكن هذه النتائج كانت تعاني من عيوب منهجية جوهرية:

  • معظم الدراسات شملت أجيالاً عاشت في ظروف صحية سيئة نسبياً (حروب، أوبئة، نقص غذائي).
  • كثير من الوفيات كانت ناجمة عن أسباب خارجية (حوادث، أمراض معدية، حروب) وليس عن الشيخوخة البيولوجية.
  • لم تكن السجلات الطبية دقيقة بما يكفي لفصل أسباب الوفاة الطبيعية عن غيرها.

نتيجة لذلك، كان تأثير الجينات يبدو مخففاً أو مشوشاً، مما دفع الكثير من الباحثين إلى التركيز على نمط الحياة فقط، وأدى إلى تراجع نسبي في تمويل أبحاث الجينوم والشيخوخة.

المنهجية الجديدة: فصل الطبيعة عن العشوائية

للتغلب على هذه العقبات، اعتمد فريق معهد وايزمان على مجموعة بيانات فريدة من نوعها:

  • أكثر من 3,000 زوج توأم متطابق وراثياً (monozygotic twins) تربوا في ظروف مختلفة أحياناً.
  • سجلات طبية دقيقة لأسباب الوفاة (متوفرة فقط في دول متقدمة مثل إسرائيل، السويد، الدنمارك).
  • استبعاد الوفيات الناجمة عن حوادث، عنف، أو أمراض معدية مبكرة.
  • تحليل جينومي شامل لتحديد متغيرات جينية مرتبطة بطول العمر (longevity variants).
  • نماذج إحصائية متقدمة تفصل بين التأثير الوراثي المباشر، التأثير البيئي المشترك، والتباين العشوائي (stochastic variation).

النتيجة المذهلة: عند استبعاد الوفيات الخارجية، يرتفع إسهام الوراثة في طول العمر إلى حوالي 50% (بفاصل ثقة 45–55%)، وهو رقم يُعتبر نقلة نوعية في المجال.

العشوائية البيولوجية: العامل الثالث الذي غيّر المعادلة

أحد أهم اكتشافات الدراسة هو إثبات أن هناك عاملاً عشوائياً (stochasticity) يلعب دوراً كبيراً في تحديد من يعيش أطول، حتى بين أفراد لهم نفس الجينات ونفس البيئة تقريباً.

أمثلة على هذه العشوائية:

  • اختلافات طفيفة في تعبير الجينات أثناء التطور الجنيني.
  • تراكم طفرات عشوائية في الخلايا مع التقدم في العمر.
  • تباين في استجابة الجهاز المناعي للالتهابات المزمنة.
  • اختلافات في كفاءة إصلاح الحمض النووي من شخص لآخر.

هذا يفسر لماذا يمكن أن يعيش توأمان متطابقان حتى سن 90 و95 على التوالي، رغم أن جيناتهما وبيئتهما متشابهة جداً.

الجينات الواقية: لماذا يصل البعض إلى المئة بصحة جيدة؟

أظهرت الدراسة أن هناك مجموعة من المتغيرات الجينية (SNPs) ترتبط ارتباطاً وثيقاً بطول العمر الصحي (healthspan)، وليس فقط بالعمر الزمني. من أبرزها:

  • جينات مرتبطة بـإصلاح الحمض النووي (DNA repair).
  • جينات تنظم الالتهاب المزمن (inflammation).
  • جينات تتحكم في استقلاب الطاقة ومقاومة الإجهاد التأكسدي.
  • جينات تعزز وظيفة المناعة المتأخرة (immunosenescence).

الأشخاص الذين يحملون نسخاً “محمية” من هذه الجينات يتمتعون بمقاومة أكبر لأمراض الشيخوخة (القلب، السرطان، الزهايمر، السكري من النوع 2)، حتى لو لم يتبعوا نمط حياة مثالي.

دلالات الدراسة على مستقبل أبحاث الشيخوخة

هذه النتائج تعيد الاعتبار إلى مسار بحثي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه “محدود التأثير”:

  • إعادة توجيه التمويل نحو دراسة الجينات الواقية وتفعيلها دوائياً.
  • تطوير اختبارات جينية لتقدير العمر البيولوجي بدقة أكبر.
  • تصميم علاجات مخصصة (personalized anti-aging) تعتمد على التركيب الجيني للفرد.
  • فهم أعمق لسبب اختلاف طول العمر بين الأفراد في نفس البلد أو العائلة.

كما أن الدراسة تُنهي الجدل القديم بين “الطبيعة أم التربية”، وتثبت أن الإجابة ليست 50/50 فحسب، بل أن الجينات تكتسب أهمية أكبر كلما تحسنت الظروف البيئية والصحية.

 الجينات ليست قدراً.. لكنها مفتاح قوي

الدراسة التي نشرتها ساينس لا تقول إن طول العمر “مكتوب” في الجينات بنسبة 50%، بل تثبت أن نصف الطريق نحو حياة طويلة وصحية يكمن في التركيب الوراثي، وأن الجزء الآخر يبقى في أيدينا: نمط حياة صحي، بيئة آمنة، رعاية طبية جيدة، وتجنب المخاطر الخارجية.

للمرة الأولى، أصبح واضحاً أن بعض البشر يولدون بـ”درع جيني” يحميهم من أمراض الشيخوخة، بينما يحتاج آخرون إلى تدخلات أكثر قوة. هذا الاكتشاف لا يقلل من أهمية نمط الحياة، بل يدعونا إلى فهم أعمق للآليات الجينية لنتمكن يوماً من “مساعدة” الجينات الجيدة، و”تعويض” الجينات الأقل حظاً.

في النهاية، الدراسة لا تعطينا فقط إجابة علمية، بل تمنحنا أملاً جديداً: إذا كانت الجينات تمثل نصف المعادلة، فإن النصف الآخر لا يزال في متناول أيدينا.. وهذا بحد ذاته ثورة في فهم الشيخوخة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق