
104 سنوات من الصبر.. وفاة عزيزة الشاذلي أكبر معمّرة في بسيون
في بيت بسيط بقرية كفر عسكر، توقف الزمن فجأة، لم يكن التوقف بصوتٍ عالٍ، بل بهدوء يشبه الرحيل بعد اكتمال الحكاية.

هناك أغمضت الحاجة عزيزة الشاذلي عينيها للمرة الأخيرة، بعد رحلة عمر امتدت 104 أعوام، لتغادر الدنيا كما عاشت فيها: صابرة، هادئة، ومحبوبة.
لم تكن الحاجة عزيزة امرأة عادية في قريتها، بل كانت «ذاكرة تمشي على قدمين»، حيث وُلدت بعام 1922، قبل أن تتغير ملامح الحياة، وشهدت بعينيها أجيالًا تُولد، تكبر، وتتزوج، بينما بقي اسمها ثابتًا في القلوب، رغم أنها لم تعرف طريق التعليم، إلا أن الحكمة اختارتها بيتا لها.
كان أهل القرية يلجأون إليها في أوقات الحيرة، تستمع أكثر مما تتكلم، وحين تتكلم، تُنهي الخلاف بكلمة، وتداوي القلوب بنصيحة، مرت عليها سنوات قاسية، فقدت زوجها قبل أكثر من خمسين عامًا، لكنها لم تنكسر.
واصلت الحياة مع بناتها، تحيطها الرعاية والحنان، حتى أصبحت أكبر بناتها تبلغ من العمر 75 عاماً، بينما هي ما زالت تنادى بـ«الحاجة» احتراماً وتقديراً، ففي سنواتها الأخيرة، سرق منها الزمن نعمة البصر، لكنه لم يستطع أن ينتزع مكانتها.
كانت تعرف الأصوات، وتفرق بين الخطوات، وتبتسم حين تسمع ضحكات أحفادها، وكأنها ترى العالم بقلبها لا بعينيها.
يقول أحد أحفادها: «جدتي لم تكن فقط أكبر معمرة في مركز بسيون، لكنها كانت روح البيت، وجودها كان أمان».
ومع إشراقة صباح الأحد، أعلنت القرية خبر الرحيل، ساد الصمت، ثم الحزن، ثم الدعاء، تجمع الأهالي، رجالًا ونساءً، وكأنهم يودّعون قطعة من تاريخهم، لا مجرد سيدة مسنة.
شيع جثمان الحاجة عزيزة من مسجد القرية عصر اليوم، في جنازة مهيبة، ووري جثمانها الثرى بمقابر العائلة، وسط دموع صادقة، وقلوب تعرف جيدًا أنها ودّعت امرأة لن تتكرر.
رحلت الحاجة عزيزة الشاذلي، لكنها تركت خلفها قرنًا من الحكايات، وسيرة طيبة ستظل تحكى.. كلما مر أحدهم بجوار بيتها، وكلما ذكر أهل القرية اسمها قالوا: «دي كانت بركة المكان».



















