
القافر..يعيد الذاكرة للأفلاج العُمانية ويجسد حياة القرى و والتنمية في البشر
في عمل إبداعي متميز ..يعرض تلفزيون سلطنة عُمان، ضمن دورته البرامجية لشهر رمضان المبارك 1447 هـ /2026م، المسلسل العُماني الدرامي “القافر”، الذي يجمع كوكبة من النجوم العُمانيين البارزين، وهو مقتبس من رواية “تغريبة القافر” للكاتب العُماني زهران القاسمي، الفائزة بجائزة البوكر العربية 2023.
الراصد للعمل الدرامي الحالي تقوده الذاكرة إلى فكرة الرواية وحقيقتها المائية؛ فهي تكشف واقعاً يجسد الحياة اليومية لإحدى القرى العُمانية، وتروي قصة أحد السكان من مقتفي أثر الماء.
ومن خلال مشاهد المسلسل المتصاعدة، تتبلور وظيفة “القافر” المتمثلة في البحث عن الماء في جوف الأرض؛ فوظيفته ليست عابرة، بل هي ارتباط بالماء منذ ولادته، بدءاً من والدته التي ماتت غرقاً في إحدى آبار القرية، والتي كانت تعاني أيضاً من صداع مزمن كان علاجها فيه هو الماء، مروراً بوالده الذي طُمر تحت أحد الأفلاج جراء انهيار سقف عليه.

كما يوجد العمل سياقاً واضحاً لذاكرة الأفلاج وارتباط ذلك بالحياة القروية في عُمان قدِيماً، وما يأتي حولها من أساطير وحكايات متعددة. والمسلسل من إخراج المخرج السوري تامر مروان إسحاق.
الرواية لسيت مجرد حكاية عن الماء أو الفقد، بل كانت مرآة لبيئة كاملة، ولعلاقة الإنسان العُماني بأرضه، بالأفلاج، وبالخوف من الجفاف، وبالسلطة الاجتماعية داخل الحارة. فيها بُعد قيمي وإنساني عميقين يجعلان القارئ يشعر أن الشخصيات تشبهه أو تشبه من يعرفهم.
ويجسد القافر قدرة الجيل الجديد على استيعاب المواقف المركبة، والتعامل معها بوعي وانضباط انفعالي، وفي لحظات التوتر والخوف والترقب ظهر قادرًا على قراءة الإشارات، وتحويل القلق إلى تركيز، بما يجعل الطفولة عدسة لفهم المجتمع.
يطرق هذا العمل الدرامي بوابات الصناعات الإبداعية، والاقتصاد المعرفي لبناء إنسان الغد، فالطفل يتعرف إلى قدراته الذاتية داخل سياقات ثقافية حقيقة يكون له دور كبير في تمثيلها، وبالتالي يعيد ترتيب وعيه عن ذاته، ومشاركته وحضوره الثقافي والمجتمعي، وما قدمه العمل في صورة الطفل القافر ما هو إلا نموذج ناجح في رعاية الموهبة وتصديرها للمجتمع في أبهى مكانة.
هذا المعنى يتسق مع محور الإنسان والمجتمع في رؤية عمان 2040 الذي يركز على منظومة فاعلة للإبداع والابتكار تسهم في بناء اقتصاد المعرفة ومجتمعها، فحين يقدم العمل طفلا قادرا على حمل المعنى والرمز، فهو لا يعرض موهبة فردية فحسب، بل يلمح الى مسار تنشئة يمكن تعميمه، وذلك بالاكتشاف المبكر، والتدريب، والبيئات داعمة، والمنصات الاحترافية.
وبذلك يغدو تحويل الرواية الى مسلسل جزء من الصناعات الثقافية والإبداعية التي تعيد توظيف التراث والهوية في منتج وطني يبث عبر القنوات الرسمية، يوسع أثر الثقافة في المجتمع ويعزز الاستثمار في الإنسان بوصفه غاية التنمية وأداة الاقتصاد المعرفي.



















