alalamiyanews.com

أخبار العالماراء و تحليلاتمنوعات

“الشمائل المحمدية وحب الوطن”

62 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

 بقلم: د. محمد المنشاوي

“الشمائل” تعني الخصال والطباع والأخلاق والصفات والسجايا، وتكتب أحيانًا بالهمزة وأحيانًا أخرى بالياء، ومفردها شُميلة…
ومن الشمائل المحمدية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم حب الوطن، والتعلق به، والغيرة عليه، ونصرته، والانتماء الوطني لأرضه وترابه.
حيث يتشكل الانتماء الوطني في صلب ورحم الإنسان من بذور حب الوطن، ليمثل صخرة صلبة تتهشم عليها أطماع المتنمرين بالأوطان.
وما يدور ويحدث حولنا من سقوط الأنظمة وانهيار الدول، ما هو إلا نتيجة مباشرة للافتقار إلى ثقافة الانتماء الوطني، ولذلك كان حب الوطن واحدة من الشمائل المحمدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقد توقفت كثيرًا عند مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم عندما أجبرته قريش على مغادرة وطنه مسقط رأسه مكة، لأجدها تعبيرًا صادقًا ونموذجًا مرشدًا على حب الوطن والانتماء الوطني.
“والله إنك لأحب بقاع الأرض إلى الله وإليَّ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”، فبهذه الكلمات المفعمة بحب الوطن والانتماء الوطني عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم عن حبه وتعلقه بوطنه مكة، وحزنه على مفارقتها.
ليثبت أن حب الوطن سنة محمدية، يتعين الالتزام بها والحفاظ عليها، لإذكاء روح الدفاع عنه، ورفع اسمه، ومناصرة قضاياه.
وليؤكد بالتالي حقيقة مفادها: أن الدفاع عن الأوطان ضد الأعداء والمتنمرين والخونة، يبدأ من داخلها.
وتجسيدًا لحب الوطن، وتأكيدًا لحق المواطنة والحفاظ على الدولة الوطنية، كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة الأولى من الهجرة “وثيقة المدينة” الشهيرة، لتكون أول دستور تشريعي مكتوب تعرفه البشرية في ذلك الوقت.
وقد أثبتت كلماته صلى الله عليه وسلم بشأن حبه لوطنه مكة، كذب وزيف أقوال قادة الجماعة الإرهابية عن الوطن مصر.. تلك الشعارات التي روجوها بأقوال مغلوطة مثل: ما الوطن إلا حفنة من تراب، وغيرها من الشعارات المماثلة التي أربأ عن ترديدها.
فرغم كونهم مسلمين، عارض قادة وزعماء هذه الجماعة بنهجهم ومسلكهم الخبيث في السيطرة على الدولة، دعوته صلى الله عليه وسلم لحب الوطن والأوطان، والحفاظ على الدولة الوطنية، وحُرمة التآمر على الوطن.
لقد جاءت “وثيقة المدينة” لتحقيق مبدأ المواطنة لجميع السكان مهما اختلفت عقائدهم من مسلمين ونصارى ويهود، ولتحدد لهم الواجبات، وتضمن لهم الحقوق، داخل حدود الدولة الوطنية الواحدة.
وظلت هذه الوثيقة مرجعًا رئيسيًا لعلماء القانون الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية المنادية بالدفاع عن حقوق الإنسان حتى يومنا هذا.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تقلبات ومطامع وصراعات، بل وما يشهده العالم من حروب وصراعات داخلية وخارجية، تظهر أهمية وضرورة الدولة الوطنية في بلداننا العربية، وهي الغاية التي عملت من أجلها قيادتنا الرشيدة.
وحيال هذه التحديات الكبيرة وغيرها، فنحن في مصرنا الحبيبة أحوج ما نكون إلى التمسك بهذه الشمائل المحمدية، حفاظًا على وحدة الشعب بمختلف أطيافه سياسيًا واجتماعيًا وعقائديًا، لمجابهة أعداء الوطن داخليًا وخارجيًا، فالدفاع عن الأوطان يبدأ من داخلها.
فلا يخفى على أحد حجم ما تتعرض له مصر من مخاطر تتربص بها من جميع الجهات، للنيل من قوتها وتماسكها، وعصيانها على الانكسار الذي طال غيرها من الدول، بفضل الله ثم بصلابة وقوة جيشها المصري العظيم، ليس في وقتنا الحاضر فقط، بل وعلى مر العصور.
وإلا ما قال صلى الله عليه وسلم عنها في الحديث الشريف الذي رواه الحاكم في المستدرك، والطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شُعَب الإيمان عن ابن عباس: “إذا فتح الله عليكم مصر بعدي، فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا، فذلك الجند خير أجناد الأرض”، فقال أبو بكر الصديق: ولِمَ يا رسول الله؟ قال: “لأنهم في رباط إلى يوم القيامة”.
فدلت كلماته صلى الله عليه وسلم بشأن مصر وجندها على أمرين؛ أولهما: ديمومة واستمرار الطامعين والمتنمرين بمصر، وهذا قدرها.
ثانيًا: خيرية جيشها العظيم بين جيوش العالم، بفضل تمرسه على مر التاريخ على كسر الطغاة الذين تجرأوا على المساس بمصر وشعبها.
فقد ظل هذا الجيش المصري على مر التاريخ حائط سدٍّ منيع دفاعًا عن وطنه وعالمه العربي أمام جحافل الغزاة والطغاة في كل زمان.
فقد أنقذ هذا الجيش العالمين العربي والإسلامي من زحف التتار في واحدة من أبرز المعارك الفاصلة في التاريخ الإسلامي، بمعركة عين جالوت في 3 سبتمبر سنة 1260م، بعد انتكاسات مريرة لدول ومدن العالم الإسلامي.
والسبب أن طبيعة تكوين هذا الجيش المصري الذي يتشكل من نسيج أسر وعوائل الشعب، قد تشبع بقدسية رسالته في الدفاع عن أهله ووطنه وعقيدته، وشرف الشهادة في الذود عنهم، وتشبع بثقافة أن من قُتل دون وطنه فهو شهيد، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه سعيد بن زيد وأخرجه الترمذي: “من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد”.
فحب الوطن، ومتانة الانتماء الوطني، والحفاظ على الدولة الوطنية، هي ثقافة تجذرت في عروق هذا الشعب، لتتأصل في نسيج قادة وأبناء جيشه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق