أخبار العالمالرئيسيةمنوعات
المغرب يودع عبد الوهاب الدكالي في جنازة مهيبة

شيّع المغرب، بعد عصر يوم السبت 10 مايو 2026 بمدينة الدار البيضاء، الموسيقار الراحل عبد الوهاب الدكالي في مراسم تشييع مهيبة وحزينة، حضرها حشد كبير من الوجوه الفنية البارزة والشخصيات السياسية المرموقة. انطلق موكب وداع الدكالي من مقر سكنه الأخير متجهاً نحو مقبرة الشهداء، حيث وُوري جثمانه الطاهر الثرى وسط دموع الحاضرين وصمت رهيب كسرته فقط تلاوات القرآن الكريم وأدعية الرحمة. تُعد هذه اللحظات الفارقة محطة وفاء وطنية صادقة لعميد الأغنية المغربية الذي غادرنا عن عمر ناهز الخامسة والثمانين، تاركاً خلفه إرثاً فنياً امتد لأكثر من ستة عقود من الإبداع المتواصل. ويراقب الجمهور المغربي والعربي هذه المشاهد المؤثرة بانفعال شديد، مدركين أن رحيل قامة فنية بحجم الدكالي لا يعني مجرد خسارة صوت شجي، بل انطفاء نجم كان يضيء سماء الطرب العربي بألحانه الخالدة وكلماته العميقة التي لامست قلوب الأجيال المتعاقبة.
تشييع مهيب: حضور فني وسياسي يعكس مكانة الراحل
شهدت قاعات العزاء وساحات المقبرة حضوراً كثيفاً ومتنوعاً ضم أفراد أسرة الفقيد المقربين، إلى جانب نخبة من الفنانين والمبدعين الذين شاركوه رحلة الفن الطويلة. حضر التشييع أسماء بارزة مثل نعمان لحلو، عبد العالي الغاوي، عمر عزوزي، مولاي أحمد العلوي، حسن فولان، رشيد الوالي، وحسن القدميري، بالإضافة إلى موسيقيين رافقوا الراحل في حفلاته داخل المغرب وخارجه لسنوات طويلة. كما مثّل وزير الإدماج الاقتصادي يونس السكوري الحكومة المغربية في مراسم وداع الدكالي، مما يؤكد الأبعاد الرسمية والشعبية التي اكتسبها الراحل خلال مسيرته. هذا الحضور الواسع لم يكن مجرد بروتوكول جنائزي تقليدي، بل رسالة واضحة مفادها أن الدكالي تجاوز كونه فناناً عابراً ليصبح رمزاً ثقافياً جامعاً، استطاع أن يلم شمل محبي الفن الأصيل تحت قبة واحدة، ويوحد المشاعر بين النخبة الرسمية وعشاق الطرب الشعبي في لحظة وطنية صادقة تعكس حجم الاحترام الذي يكنه المغاربة لأعلامهم المبدعين.
ملابسات الرحيل: تشريح طبي وشكوك عائلية حول البروتوكول العلاجي
تسبق مراسم الدفن الرسمية إجراءات طبية وقانونية دقيقة، حيث خضع جثمان الراحل لعملية تشريح كاملة بناءً على طلب الأسرة التي أبدت تحفظات جدية حول ظروف الوفاة داخل إحدى المصحات الخاصة بالدار البيضاء. كان الدكالي قد دخل المؤسسة الصحية لإخضاع نفسه لتدخل جراحي بسيط يتعلق بالبروستات يعتمد على تقنية الليزر المتطورة، غير أن حالته الصحية انقلبت رأساً على عقب خلال ساعات قليلة نتيجة مضاعفات غير متوقعة أدخلته في غيبوبة عميقة قبل أن تعلن المصحة عن وفاته. أعربت عائلة الفقيد عن قلقها البالغ إزاء ما وصفته بـ”أخطاء في البروتوكول الدوائي”، مشيرة إلى تاريخ طبي حافل بحساسيات محددة تجاه بعض المركبات الكيميائية، مما استدعى تدخل السلطات القضائية لفتح تحقيق رسمي في ملابسات الحادث. هذه التطورات أضفت طبقة من الحزن الممزوج بالاستغراب على مشهد وداع الدكالي، محولةً الفاجعة الفنية إلى قضية رأي عام تستدعي الشفافية المطلقة، لضمان حقوق المتوفى وعائلته، وإعادة الثقة في المنظومة الصحية الخاصة التي يتعامل معها كبار الشخصيات.
إرث لا يزول: رحيل صانع “مرسول الحب” ورمز الأغنية الراقية
يرحل عبد الوهاب الدكالي مخلفاً وراءه كنزاً فنياً نادراً يضم أكثر من أربعين عملاً غنائياً تخلد في الذاكرة الجمعية، على رأسها “مرسول الحب”، “أنا مخاصمك”، “العاشقين”، و”كان يا مكان” التي نالت الجائزة الكبرى في الدورة التأسيسية لمهرجان الأغنية المغربية عام 1985. تميز الراحل برؤية فنية ثاقبة جمعت بين جزالة الكلمة الفصحى، وعذوبة اللحن الشرقي الأصيل، مع لمسات عصرية أضفت على إنتاجه طابعاً معاصراً دون المساس بهويته المغربية الراسخة. حصد خلال حياته عشرات الأوسمة والجوائز الدولية، منها تكريم مهرجان القاهرة الدولي للأغنية عام 1999، والميدالية الذهبية الفرنسية للاستحقاق الثقافي عام 2004، بالإضافة إلى وسام المكافأة الوطنية من درجة قائد. يجعل هذا المسار الحافل من لحظة وداع الدكالي مناسبة لاستحضار تاريخ كامل من الإبداع المتقن، حيث لم يكن مجرد مؤدٍ لأغانٍ عابرة، بل معماري صوتي بنى جسوراً عاطفية بين المغرب والعالم العربي، تاركاً فراغاً فنياً صعب التعويض في المشهد الثقافي المعاصر.
خاتمة
تظل مراسم 10 مايو 2026 محفورة في الوجدان الوطني كذكرى أليمة لفقدان عملاق من عمالقة الطرب المغربي. ومع انتهاء طقوس وداع الدكالي الرسمية، ينتقل الإرث الفني إلى مسؤولية الأجيال الجديدة في حفظه وتطويره، لضمان عدم ذبول ألحانه مع مرور الزمن. يبقى الأمل قائماً في أن يحفز هذا الرحيل المؤلم المؤسسات الثقافية على أرشفة أعماله بدقة، وتنظيم مهرجانات سنوية تخلد ذكراه، مع التأكيد أن تقدير الرموز الفنية يظل الضامن الحقيقي لاستمرارية الإبداع الوطني، مما يخدم الهوية المغربية ويعزز فخر الشباب بتراثهم الفني العريق في ظل بيئة ثقافية تحتاج دائماً إلى نماذج ملهمة تحافظ على الأصالة وتواكب العصر.










