alalamiyanews.com

أخبار العالماراء و تحليلاتالرئيسية

حكيمُ حُكماءِ العرب و”الفتى” المعجزة

55 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث
بقلم: د. محمد المنشاوي
“الحكمة” واحدة من أعلى العطايا الإلهية للإنسان، وإلا ما قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269)..
و”الحكيم” هو من جمع بين العلم والمعرفة والرُّشد، وسداد الرأي، والقول الحق، وإتقان العمل، ووضع الأمور في مواضعها الصحيحة، حتى يصبح بين الناس مرجعاً مرشداً..
و”أكثم بن صيفي” أحدُ رؤساء بني تميم البارزين، كان أشهر حُكماء العرب قبل الإسلام، حتى إنه صُنِّف حكيمَ العرب بلا منازع.. فهو ابن رباح بن معاوية بن شريف بن جروة، ابن أسيد بن عمرو بن تميم… وأحد أشهر حُكماء العرب في ذكر الأمثال والأقوال والأحكام، التي أظهرت حكمته وفطنته ورجاحة عقله، والتي لطالما نالت إعجاب حتى غير العرب، لدرجة دفعت كسرى لأن يقول عنه: “لو لم يكن للعرب غيرك لكفى”..
ولهذا حفلت الكثيرُ من المراجع بسيرته وتاريخه، بينها: (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم) لابن الجوزي، و(السيرة النبوية) لابن هشام، و(الأنساب) للسمعاني، و(المحبر) لابن حبيب، و(المعمرون والوصايا) للسمعاني، وغيرها..
ذات يومٍ، كان أبو طالب بن عبد المطلب، عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطوف بالبيت الحرام، ومعه الفتى “محمد” وهو في الرابعة عشرة من عمره، أي قبل البعثة النبوية بستة وعشرين عاماً. فرآه أكثمُ بن صيفي، حكيمُ حُكماء العرب، فقال لأبي طالب وهو يتفحصه بنظره وفراسته:
ما أسرع ما شبَّ أخوك يا أبا طالب؟؟
فقال أبو طالب: ليس أخي، بل ابن أخي عبد الله!!..
فرد أكثم قائلاً: ابن الذبيح؟؟
قال أبو طالب: نعم..
((و”ابن الذبيح” تسمية أُطلِقت على عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، عندما نذر أبوه عبد المطلب -وهو يحفر بئر زمزم- أنه إذا رزقه الله عشرةَ ذكورٍ فسيذبح أحدهم فداءً عند باب الكعبة. وعندما أتم أولاده العشرة، دعا عبد المطلب قريشاً لكي يفي بوعده أمام الجميع، فجاءت قريش تشهد ذلك. وأتى بمن يُجرِي القرعةَ على أولاده، فخرجت القرعة أكثر من مرة على عبد الله، الذي كان أصغر أولاده وأكثرهم جمالاً ووسامةً.. فنام عبد الله تحت قدمي والده إيذاناً بالذبح.. وهاجت قريش وبكت النساء لفعل عبد المطلب… فاقترحت “عاتكة” ابنته على والدها أن يفديه بالإبل، وهو قربان لله أيضاً. فقال عبد المطلب: كيف يا ابنتي، فإنك مباركة.. فقد كانت عاتكة واحدةً من بناته المسموع رأيها لرجاحة عقلها.. قالت له: لتجرِ قرعة على عشر إبل مقابل عبد الله. فظل عبد المطلب يجري القرعة حتى زاد عدد الإبل مقابل عبد الله إلى مائة، ووقعت في النهاية على الإبل. لكنه قال: لن أنفذ القرعة حتى تتأكد النتيجة ثلاث مرات، وحدث… عندئذٍ قال: اذبحوها جميعاً ولا تبقوا منها واحداً!!! عندها قام ولداه الزبير وأبو طالب بنزع أخيهما عبد الله من تحت ساق والدهما، حتى إن وجه عبد الله قد سلخه تراب الأرض وسط بكاء النساء.. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه في الحديث الذي أخرجه الحاكم والألباني عن رواية معاوية بن أبي سفيان: “أنا ابن الذبيحين”.. إشارة إلى والده عبد الله الذي فُودي بمائة من الإبل، فهو الذبيح الثاني، وجده إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فهو الذبيح الأول الذي فداه الله بذبحٍ عظيم..))..
أعود إلى الحوار بين أكثم بن صيفي وأبي طالب:
فعندما قال أبو طالب لأكثم، حكيم حُكماء العرب: نعم، ابن الذبيح..
فأخذ أكثم يتأمل الفتى “محمد”، ثم قال:
ما تقولون في فتاكم هذا يا أبا طالب؟؟
فقال أبو طالب: إنا لنحسن الظن به، وإنه لحيٌّ جزِيٌّ سخيٌّ وفيٌّ..
قال أكثم: أفغير ذلك يا ابن عبد المطلب؟؟..
قال أبو طالب: إنا لنتيَّمن بمشهده، ونلتمس البركة فيما لمسته يده..
قال أكثم: أفغير ذلك يا ابن عبد المطلب؟؟..
قال أبو طالب: إن فتىً مثله، لحريٌّ به أن يسود ويتحلى بالجود..
قال أكثم: أما أنا فأقول غير ذلك!!!
قال أبو طالب: قل يا حكيم العرب، فإنك نفاث غيبٍ وجلاء ريبٍ!!..
قال أكثم: ما خُلِق لهذا ابن أخيك إلا أن يضرب العربَ قاطبةً بيدٍ خابطةٍ ورجلٍ لابطةٍ، ثم ينعق بهم إلى مرتعٍ مُرِيعٍ، ووردِ تشريعٍ، فمن أَخْرَوْرَطَ إليه هداه، ومن أَخْرَوْرَقَ عنه أرداه….
وما أن عاد أكثم إلى أبنائه حتى قصَّ عليهم ما رآه في مكة، ولقاءَه بالفتى “محمد” ابن الرابعة عشرة، وقال لهم: إنه لنبيٌّ، فإن خرج وأنا فيكم فإني ناصره، وإن خرج بعد موتي فعليكم باتباعه والامتثال لأمره…
وما أن بُعِث النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى خرج إليه أكثم وأولاده قاصدين مكة، وقد كان في ذلك الوقت طاعناً في السن، فوافته المنية في الطريق. فمات، وقال لهم وهو يحتضر: دعوني وإلحقوا برسول الله. فقال أبناؤه: لنبقَ معك حتى ندفعك ونسير إليه؟.. قال: أبلغوا رسول الله مني السلام، ودعوا جسدي للطير أو للدود فإنهما يستويان..!! فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بادرهم بالقول: “الآن دفن أبوكم”، ثم نزلت الآية: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 100)..
هكذا كان رأيُ حُكماء العرب وغيرهم في رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم، حتى قبل أربعين عاماً على بعثته الشريفة، وعلى مدى مراحل عمره المبارك، وعلاماته الإعجازية الظاهرة في الطفولة، وفي الصبا والشباب، والتي كانت من السهولة على كل ذي عقل أن يتلمسها، وأن يتنبأ به، ويستشعر معجزته صلى الله عليه وسلم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق