أخبار العالماراء و تحليلاتالرئيسية
«يومٌ؛ ابتهجت فيه الأرض والسماوات»..!! بقلم: د. محمد المنشاوي
بقلم: د. محمد المنشاوي.
في ظاهرة كونية جاءت تكريمًا من الله سبحانه وتعالى بمناسبة نزول الصورة البشرية للذات المحمدية، وملامستها لأرض الله المباركة، ابتهجت الأرض والسماء بميلاد خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول المبارك من عام الفيل..
لتشهد الخلائق قبل نحو أربعين عامًا من احتفال البشرية بميلاده الشريف، كيف احتفل الكون أرضًا وسماءً بميلاد “إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود”، وملامسة هذه الصورة المادية المباركة للأرض في ظاهرة اهتزت لها الأرجاء والأنحاء..
حقًا وصدقًا ويقينًا، جئتُ إلى الدنيا فعشتُ ممجدًا، وغبتُ عن الدنيا ولازلتُ سيدًا، صلاةُ الله عليك في كل خفقةٍ، فقد ماتت الأسماءُ إلا محمدًا..
فقد وُلد النبي صلى الله عليه وسلم في مكة قبل ٥٣ عامًا من الهجرة بما يوافق ٥٧٠ أو ٥٧١ ميلادية، لقول قيس بن مخرمة أنه وُلد هو والنبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل..
وكانت ولادته صلى الله عليه وسلم في دارٍ عُرفت بدار ابن يوسف من شعب بني هاشم بمكة، وقد كان لبني هاشم أهل الرسول صلى الله عليه وسلم الزعامة في قريش، كما ورد في كتاب “إمتاع الأسماع بما للرسول من الأبناء والحفدة والمتاع” لتقي الدين أحمد المقريزي..
ولأن هذه الظاهرة الكونية جاءت تكريمًا للذات المحمدية، فقد رُجمت الشياطين وحُجبت عن السماوات، كما حكى لنا القرآن الكريم في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (الجن: ٨-٩)..
ويقول العلماء في شرح هذه الظاهرة الكونية، أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يحمي السماء من استراق الشياطين للسمع بها كسابق عهدهم.. فقد كانت الشياطين قبل ذلك توسوس للكهنة ببعض الأمور السماوية فتظهرهم أمام أتباعهم بالعالِم ببواطن الأمور وخفايا السماء وأسرار الغيب، فكان لابد من حماية وحي السماء من هذه الإغارات الشيطانية، حتى قبل أربعين عامًا من البعثة المحمدية..
وفي إرهاصات دلت على عِظم شأنه صلى الله عليه وسلم، يقول الخرائطي في كتاب “هواتف الجن”: لقد احتفلت الأرض ليلة هذا الميلاد الشريف بأن انشق إيوان كسرى حتى سُمع صوته، وسقطت أربع عشرة شرفة من قصور كسرى، وأُطفئت نار المجوس التي كانوا يعبدونها، ولم تخمد من قبل ذلك بألف عام بل كانت تضرم ليلًا ونهارًا، وغاضت بحيرة ساوة..
وكانت ساوة بحيرة عظيمة في مملكة عراق العجم بين “همذان” و”قم” والتي كانت تحيط بها المعابد، فأصبحت ليلة مولده صلى الله عليه وسلم يابسة ناشفة، وبُنِي في موضعها مدينة ساوة..
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن الصحابية فاطمة بنت عبد الله الثقفية، أم الصحابي عثمان بن العاص، وهي من ثقيف قالت: حضرت ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم فرأيت البيت حين وُضع قد امتلأ نورًا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع عليَّ. وتذكر أمه آمنة بنت وهب أنها لم تجد حين حملت به صلى الله عليه وسلم ما تجد النساء من شدة الحمل والطلق، وقد ولدته مختونًا مسرورًا، ولما وضعته وقع على الأرض مقبوضةً أصابع يديه، مشيرًا بالسبابة كالمُسبِّح لله..
وحضرت ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم – إلى جانب فاطمة بنت عبد الله – ثلاث نساء أيضًا، هنّ: أم أيمن والدة أسامة بن زيد قائد جيوش المسلمين، وكانت أم أيمن حاضنة حضرته بعد وفاة أمه وفي حياتها، حيث كانت جارية جده عبد المطلب وأهداها لابنه عبد الله..
أما الثالثة، فهي الشفاء أم الصحابي عبد الرحمن بن عوف أغنى أغنياء العرب، في حين كانت الرابعة، ثويبة عبدةَ وجارية أبي لهب عم الرسول، والتي أعتقها فرحًا بنبأ مولد ابن أخيه، وقد أسلمن جميعهن وهاجرن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك..
واحتفالنا بذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأتي بما فعله هو نفسه عندما سُئل عن صيامه يوم الإثنين، قال صلى الله عليه وسلم: “ذاك يومٌ وُلدت فيه”، وأن صيامه ذلك اليوم أسبوعيًا من باب الحمد لله على ذلك..
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في يوم مولده كل عام بجميع العبادات من صيام وصلاة وأذكار، حتى أنه إذا أصبح في هذا اليوم يقول: الحمد لله الذي أحيانا وإليه النشور..
ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم أول مَن احتفل بميلاده بين الرسل، فقد سبقه عيسى بن مريم عليه السلام عندما مجّد وامتدح يوم مولده، وقد أورد القرآن على لسانه: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٣٣)..
إن احتفال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوم مولده بصيامه الإثنين من كل أسبوع، إنما يأتي من باب الحمد لله، فهو محمد أي أكثر مَن حُمِد، وهو أحمد أي أفضل مَن حَمِدَ ربه، وهو حامد أي الحامد دائمًا لله، وجميعها من مادة واحدة هي مادة الحمد لله، أما احتفالنا نحن معشر المسلمين بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم، إنما هو شكرًا وحمدًا لله على نعمته إلينا بأن أرسل لنا هذه الرحمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾..
ويتعين علينا أن نحبه صلى الله عليه وسلم بوصفه نعمةً من الله، كما قال في الحديث الشريف: “أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله لي، وأحبوا أهل بيتي لحبي لهم”..










