alalamiyanews.com

أخبار عاجلة

واشنطن: ترامب يغلق باب “بودابست”

هل كانت القمة الملغاة مع بوتين مناورة، أم إعلان فشل دبلوماسي؟

9 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

كتب أحمد سمير
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مساء الثاني والعشرين من الشهر الجاري، إلغاء القمة التي كانت مقررة لتجمع بينه وبين نظيره الروسي “فلاديمير بوتين”، في العاصمة المجرية، بودابست. هذه الخطوة فاجأت جميع الأوساط على المستوى السياسي والإعلامي، فقد جاء قرار الرئيس الأميركي وسط أجواء مشحونة بالتصعيدات والعقوبات.
قرار الإلغاء كان رسالة سياسية مشفرة تحمل أكثر من معنى، واشنطن هي من تعثرت المفاوضات بشأن الحرب الأوكرانية، ولديها رغبة كبيرة في إعادة صياغة العلاقة مع موسكو بأسلوب أكثر صرامة.
منذ إعلان واشنطن عن هذه القمة، انقسمت التحليلات السياسية، البعض يرى أنها خطوة لمناورة تفاوضية محسوبة لإجبار موسكو على أي تنازلات، والبعض الآخر اعتبرها مؤشراً لفشل المسار الدبلوماسي بين قوتين عظيمتين، ودخول الأزمة الأوكرانية مرحلة جديدة من الجمود والمواجهة غير المباشرة.
ومن هذين المنطلقين، تقف وسطهما الحقائق السياسية على المستوى الدولي لتشهد لعبة توازن دقيقة، عنوانها الرئيسي: “من سيكسر الصمت أولاً.. واشنطن بالعقوبات، أم موسكو بالمبادرة؟”
مسار متعثر أدى إلى إلغاء القمة
منذ لقاء “أنكوراج” في أغسطس الماضي، حيث فشلت المحادثات الأولية في تحقيق أي خطوة إيجابية نحو وقف إطلاق النار في الحرب الأوكرانية، وعلى الرغم من تكثيف الجهود الدبلوماسية لمدة شهرين متتاليين، إلا أن الهوة بين الموقفين الروسي والأميركي بقيت على حالها.
واشنطن تريد هدنة واضحة بالشكل الكامل وخارطة طريق لسحب القوات الروسية تدريجياً، بينما تصر موسكو على الاحتفاظ بمكاسبها الميدانية باعتبارها “حقائق على الأرض”.
في الكواليس، استهدفت إدارة ترامب شركات النفط الروسية، فقامت بفرض عقوبات جديدة عليها لتزيد المشهد تعقيداً، مما اعتبره الكرملين ابتزازاً اقتصادياً مقنعاً، فردت عليه من خلال تصريح للمتحدث الرسمي باسم رئاسة الوزراء الروسية: “بأن روسيا لن تخضع لأي ضغوط، ولن تغير موقفها تحت أي تهديد”.
رؤية لدوافع كل من القوتين العظيمتين
واشنطن: أراد ترامب إظهار حزم الإدارة الأمريكية في التعامل مع القضية الأوكرانية أمام الداخل الأمريكي والرأي العام الدولي، خاصة بعد اتهام المعارضة له بالتراخي أمام موسكو. لذا، كان الإلغاء مجرد رسالة مزدوجة تحمل معنى واحداً: “لسنا مستعدين للقاء بلا نتائج، ولسنا رهائن لدبلوماسية الصورة”.
موسكو: اختار بوتين تجاهل التصعيد بشكل مؤقت، مع مواصلة سياسة الانتظار الصبور، معتمداً على متغيرات الأسواق والطاقة، واعتبر الجلوس على الطاولة في الوقت الحالي خطوة لإملاء الشروط.
السيناريوات المتوقعة:

أولاً: إحياء مشروط للقمة
إمكانية حدوثه متوسطة التنفيذ. المطلوب من الجانب الروسي أن يظهر استعداداً لتجميد مؤقت على خطوط معينة، أو الموافقة على آلية مراقبة دولية. أفادت تصريحات روسية بقبول هذا الرأي بشقيه، وبدأت روسيا في آلية التنفيذ حيث تم التراجع بشكل متدرج عن وتيرة الهجمات على عدة محاور محدودة، مما أدى إلى إنعقاد قمة بشروط مسبقة تحل قائمة إجراءات قابلة للقياس، مع احتمال تفاهم مبدئي على عدد من الآليات منها تبادل الأسرى، الأمر الذي ينبثق منه نافذة دبلوماسية طويلة.
السيناريو يحمل في طياته مخاطر، لعل الأبرز منها أنه اتفاق جزئي قد يتحول إلى توقف هش إن لم يُنفذ جزئياً.
ثانياً: تصعيد وفرض عقوبات، وحرب اقتصادية
احتمالية الحدوث من المتوسطة إلى المرتفعة، حال استمرار الرفض الروسي للتنازل وتصاعد استخدام واشنطن عقوبات إضافية تستهدف فيها صادرات النفط والبنوك الوسيطة، حيث وضعت قيوداً جديدة على وصول البنوك الروسية للنظام المالي الدولي “وضعت أسماءها على القوائم السوداء”، مع تقلبات أسعار النفط وتعطل الشحنات عبر قنوات محددة.
هذا الأمر سيؤدي إلى ضغط اقتصادي على خزينة الدولة الروسية، مع ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، ستحاول موسكو تعويض هذا العجز من خلال التوجه لأسواق بديلة “الهند، الصين”، ولكن الرد الروسي لن يكون دبلوماسياً بل سيأتي في شكل انتقامي يتوج في تصعيد عسكري محدود قد يحدث “تعطيل للشحن البحري، أو هجمات سيبرانية”.
ثالثاً: ظهور وساطة دولية بديلة
إمكانية حدوث هذا الأمر متوسطة إلى منخفضة نظراً لتراجع الثقة في الجهود الأميركية. سنرى جهوداً أوروبية أو صينية تلعب دور الوسيط، رؤية بيانات ودعوات من الاتحاد الأوروبي، والصين أو دول أخرى مثل تركيا، الإمارات، للدفع لتفاوض متعدد الأطراف مع عروض استضافة لعقد هذه القمم. المسار التفاوضي متعدد الأطراف أقل في الطموح ولكنه أكثر استقراراً، كما أنه سيقلص من سيطرة النفوذ الأميركي المباشر على شروط روسيا لحل النزاع.
رابعاً: عرض روسي تكتيكي
نعتبره مفاجأة واحتمالية حدوثه منخفضة لكن يجب وضعه قيد الاعتبار. اتخاذ خطوة داخلية أو خارجية تدفع بوتين لعرض تجميد مؤقت أو تبادل رمزي لاستنزاف الضغط الغربي، إعلان عن مبادرة إنسانية روسية، أو مقترح تبادل أسرى، ممر إنساني، قد يفتح هذا الأمر نافذة تفاوض جديدة قد تكون قصيرة المدى ولكن تؤدي إلى انفراج محدود، أو تُستغل كتكتيك مؤقت مع تحصيل مكاسب سياسية.
توصيات لصانعي القرار
أولاً: المسؤولون الأميركيون وحلفاؤهم
وضع قائمة شروط واضحة قبل إنعقاد أي قمة مستقبلية، نقاط قابلة للقياس “تجميد خطوط، آلية مراقبة، إجراءات إنسانية”، مع تنسيق مسبق مع الاتحاد الأوروبي وحلفاء المنطقة لضمان عدم المفاجآت الأميركية للشركاء وتجنب اختلال التضامن، تصميم عقوبات متدرجة وقابلة للعودة كحافز لتجاوب الجانب الروسي.
ثانياً: الجانب الروسي
إن كان يبحث عن نافذة تعويضية، فيجب عليه تقديم كافة المطالب بشكل واضح والابتعاد عن البيانات الرسمية حول حدود المطالب لتقليل الغموض الدبلوماسي، التقليل من إشراك قنوات اتصال متعددة لتجنب عزلة دولية أكبر.
ثالثاً: الأوكرانيون والحلفاء الأوروبيون
المبادرات لآليات مراقبة أوروبية مستقلة يمكنها أن تعمل كمصداقية مقابل أي تجميد يُحكى عنه، تعزيز الدعم لأوكرانيا دفاعياً واقتصادياً حال استمرار الجمود، لأن أي اتفاق غير متوازن سيفرض تكاليف أمنية وسياسية تباعاً.
إلغاء قمة بودابست بين ترامب وبوتين لا يُقرأ كمجرد خلاف بروتوكولي، بل كبداية جديدة في صراع الإرادات بين قوتين عظيمتين. الدبلوماسية تحولت إلى سلاح ضغط متبادل، والعقوبات أصبحت لغة المساومة الجديدة، بينما تستمر أوكرانيا في دفع الثمن الأكبر.
ما يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة هو: هل ستكتفي واشنطن بالضغط الاقتصادي فقط؟ أم أن موسكو ستستبق الأحداث بخطوة مفاجئة كعرض تهدئة جزئية، أو مبادرة سياسية تضرب توقعات الغرب؟
في النهاية، قد يسجل التاريخ هذا الإلغاء لا كفشل دبلوماسي فقط، لكن كنقطة تحول تعيد رسم قواعد اللعبة بين القوتين وترسخ المعادلة الجديدة، محتواها: “أن القوة وحدها لم تعد تكفي، واللقاءات وحدها لم تعد تقنع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق

Subscribe to our Newsletter