إسبانيا تتنكر لاتفاق ثنائي وتوقف تدريس العربية بمدارسها العمومية
تتزايد في إسبانيا مؤشرات توجه سياسي وثقافي يثير مخاوف من تنامي خطاب ذي نزعة عنصرية تجاه اللغة والثقافة المغربية في ظل قرارات اتخذتها خمس جهات ذات حكم ذاتي لتعليق أو إنهاء تدريس العربية في المدارس العمومية ضمن برنامج أُطلق في إطار التعاون التربوي بين مدريد والرباط.
في أزمة دبلوماسية تلوح في الأفق. تتخذ خمس جهات إسبانية قرارات بإيقاف تدريس العربية والثقافة المغربية في المدارس العمومية مما يثير تساؤلات حول مستقبل التعاون التربوي وإمكانية رد الرباط بإغلاق معاهد سيرفانتس.
خمس جهات ذاتية الحكم تنسحب من البرنامج التربوي
ويواجه برنامج اللغة العربية والثقافة المغربية موجة متصاعدة من الانسحابات بعدما أعلنت جهات إسبانية عدة عدم رغبتها في مواصلة العمل به في خطوات اعتبرها منتقدون تراجعاً عن سياسات التنوع الثقافي وإدماج أبناء الجالية المغربية.
وكانت مدريد ومورسيا من أوائل الجهات التي أعلنت الانسحاب من برنامج تدريس العربية قبل أن تلتحق بهما أراغون وإكستريمادورا في مسار يهدف إلى وقف تنظيم هذه الدروس في المؤسسات التعليمية العمومية.
وفي الأندلس توصلت الحكومة المحلية وحزب فوكس إلى اتفاق يقضي بعدم تجديد البرنامج ابتداءً من الموسم الدراسي ألفين وسبعة وعشرين وألفين وثمانية وعشرين ما يعني استمرار الدروس خلال الموسم الحالي قبل إنهائها في المدارس العمومية الأندلسية.
أما في إكستريمادورا فينص اتفاق الحكم المبرم بين الحزب الشعبي وحزب فوكس على إلغاء البرنامج في المؤسسات التعليمية العمومية وهو القرار الذي أثار انتقادات في أوساط تربوية وسياسية وسط تحذيرات من انعكاساته على التلاميذ المنحدرين من أسر مغربية.
وتعود قضية مدريد إلى الموسم الدراسي ألفين وخمسة وعشرين وألفين وستة وعشرين حين أبلغت حكومة الإقليم وزارة التعليم الإسبانية رسمياً قرارها الانسحاب من البرنامج في توجه وصفه متتبعون بالعنصري تجاه الثقافة العربية والمغربية.
مليون مغربي مهددون بفقدان حقهم الثقافي
ويُنسَّق برنامج تدريس العربية بين وزارة التعليم الإسبانية وسفارة المغرب فيما تتولى الجهات ذات الحكم الذاتي مسؤولية تنفيذ الدروس وتدبيرها محلياً ويستهدف البرنامج أساساً التلاميذ من أصول مغربية مع إتاحة المشاركة أيضاً أمام طلاب من خلفيات أخرى.
ويرى متابعون أن قرارات تعليق البرنامج أو إلغائه لا تنفصل عن تصاعد خطاب سياسي يميني عنصري في عدد من المناطق الإسبانية يربط قضايا الهجرة والهوية واللغة بمواقف متشددة تجاه مظاهر التنوع الثقافي.
ويثير ذلك مخاوف من تحول الإجراءات التعليمية إلى أدوات لإقصاء لغة وثقافة شريحة واسعة من التلاميذ ولا سيما أبناء الجالية المغربية التي تتجاوز المليون مقيم بشكل قانوني فوق التراب الإسباني.
وقد فتح انسحاب خمس جهات إسبانية نقاشاً جديداً حول مستقبل تدريس لغات أصول المهاجرين وحدود صلاحيات الجهات ذات الحكم الذاتي في المجال التعليمي وسبل إدماج الجاليات المهاجرة فضلاً عن مستقبل اتفاقيات التعاون التربوي والثقافي بين إسبانيا والمغرب.
وتشير المعطيات الرسمية لوزارة التعليم الإسبانية إلى أن البرنامج يُطبق حالياً في عشر جهات لكن هذه القائمة الرسمية تبدو متأخرة عن التطورات السياسية الأخيرة حيث تؤكد التقارير الأحدث أن الأندلس وأراغون وإكستريمادورا اتجهت أيضاً إلى إلغاء البرنامج.
معاهد سيرفانتس ورقة ضغط محتملة بيد الرباط
جدير بالذكر أن التعاون التربوي بين المغرب وإسبانيا يقوم على التزامات متبادلة أبرزها دعم تدريس العربية مقابل تمكين أبناء الجالية المغربية في إسبانيا من تعلم اللغة العربية والثقافة المغربية داخل المؤسسات التعليمية الإسبانية وهو ما لم تلتزم به الحكومة الإسبانية بالسماح بوقف التدريس بعدة جهات.
كما يلتزم الطرفان بتبادل الخبرات والمناهج والوثائق التربوية وتكوين المدرسين وتشجيع برامج التعليم الثنائي اللغة والتعاون بين الجامعات ومراكز البحث إلى جانب تسهيل تنقل الطلبة والاعتراف بالدراسات والشهادات.
ويهدف الاتفاق في جوهره إلى تعزيز التبادل اللغوي والثقافي والحفاظ على الروابط الثقافية للجالية المغربية بالتوازي مع نشر اللغة الإسبانية في المغرب من خلال معاهد سيرفانتس المنتشرة في مختلف المدن المغربية.
وبذلك فإن أي تعليق أو تقليص لبرامج تدريس العربية والثقافة المغربية في إسبانيا يطرح بحسب طبيعة الإجراء ومداه تساؤلات حول مدى احترام الالتزامات المتبادلة التي يقوم عليها التعاون التربوي بين البلدين.
ويتساءل متتبعون عما إذا كانت الرباط ستلجأ إلى ورقة الضغط المقابلة بإغلاق أو تقليص نشاط معاهد سيرفانتس في المغرب رداً على هذا التنكر للاتفاق الثنائي خاصة أن هذه المعاهد تحظى بدعم رسمي مغربي وتسهيلات إدارية واسعة.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة الدبلوماسية المغربية على حماية حقوق مليون مغربي مقيم بإسبانيا وضمان استمرار حقهم في تعلم لغتهم وثقافتهم الأصلية في إطار الاحترام المتبادل بين البلدين الجارين.
وتُمثل هذه الأزمة محطة حرجة في مسار العلاقات المغربية الإسبانية التي تحتاج إلى معالجة دبلوماسية حكيمة. ولمتابعة آخر المستجدات الدبلوماسية، يمكن زيارة قسم منوعات، أو الاطلاع على التفاصيل الكاملة عبر الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الخارجية المغربية للحصول على المعلومات الكاملة.










