
ازدحام أسواق العيد: لماذا يفضل المغاربة التسوق في اللحظات الأخيرة؟
0
Shares
يكشف الازدحام الاستثنائي الذي تعرفه الأسواق التقليدية والحديثة بالمغرب مع اقتراب عيد الفطر المبارك عن ظاهرة سلوكية واقتصادية راسخة، تتجلى في ميل واضح لدى شريحة واسعة من المواطنين إلى تأجيل اقتناء مستلزمات العيد من ملابس وأحذية وهدايا وحلويات إلى الساعات والأيام الأخيرة قبل الموعد، رغم توفر إمكانية التخطيط المسبق والترشيد في النفقات. وتحول هذه الممارسة فترات يفترض أن تكون مريحة للاستعداد الروحي والمادي للاحتفال إلى محطات يسودها التوتر والاستعجال والمنافسة الشديدة على المنتجات، حيث تتكدس المحلات والأسواق العصبية بالمتسوقين الباحثين عن آخر القطع المتاحة، مما يرفع من حدة الضغط على الباعة ويؤثر في بعض الأحيان على جودة الخدمة وأسعار المواد، في مشهد يتكرر بشكل لافت مع مناسبات وطنية ودينية أخرى كالدخول المدرسي وشهر رمضان والأعراس، مما يستدعي وقفة تحليلية لفهم الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية الكامنة وراء هذا السلوك الجمعي، واستشراف سبل تطويره نحو ممارسات استهلاكية أكثر وعياً واستدامة تحفظ للمواطن راحته وقدرته الشرائية.
التسويف ووهم التحكم في الوقت: قراءة نفسية معمقة في دوافع التأجيل
تفسر الأخصائية النفسية والمعالجة الإكلينيكية ندى الفضل هذا النمط السلوكي من خلال آليات نفسية متعددة ومتداخلة، على رأسها نزعة التسويف (Procrastination) المعروفة في الأدبيات العلمية، التي تدفع الفرد إلى تأجيل المهام والقرارات رغم وعيه الكامل بأن إنجازها في وقت مبكر سيكون أقل إرهاقاً وأكثر فعالية من حيث التكلفة والجودة. وتوضح الفضل أن التأجيل يمنح الشخص شعوراً مؤقتاً بالارتياح والهرب من الضغوط المرتبطة بالتخطيط والإنفاق، لكنه بالمقابل يولد ضغطاً مضاعفاً مع اقتراب الموعد النهائي، حيث يجد الفرد نفسه مضطراً لاتخاذ قرارات سريعة تحت وطأة الوقت، مما قد يؤدي إلى شراء منتجات بأثمان أعلى أو بجودة أقل مما كان يطمح إليه. كما تلعب “الإثارة النفسية” المرتبطة بالعد التنازلي للمناسبة دوراً محفزاً لبعض الأشخاص الذين لا يشعرون بالدافع الحقيقي للإنجاز إلا في ظل ضغط الوقت، وهو ما يُعرف بـ”أداء الدقيقة التسعين”، حيث يتحول القلق إلى طاقة حركية تدفع نحو الإنجاز السريع. وتضيف الأخصائية أن ظاهرة “وهم التحكم في الوقت” تُعد عاملاً آخر، حيث يعتقد الفرد أنه قادر على تدبير كل متطلباته بسرعة فائقة عندما يحين الوقت المناسب، مما يؤدي إلى تراكم المهام وتضخم قائمة المشتريات في اللحظات الأخيرة، وهو سلوك يعكس في جوهره طريقة تعامل النفس البشرية مع مفهوم الزمن والدافعية وتقدير التكاليف، أكثر من كونه مجرد خلل في مهارات التنظيم الشخصي.
البعد الاجتماعي والثقافي: قيمة الشراء الجماعي ونظرية الامتثال في الممارسة المغربية
من منظور علم النفس الاجتماعي، يبرز الأستاذ الباحث مصطفى السعليتي أن تأجيل الشراء لا يرجع فقط لعوامل مادية بحتة أو لعقلية التسويف الفردية، بل يحمل دلالة رمزية وثقافية عميقة مرتبطة بالطبيعة الجماعية والطقوسية للمناسبة في الوعي المغربي. ويشير السعليتي إلى أن عملية الاقتناء لا تكتسب قيمتها النفسية والاجتماعية الكاملة إلا عندما تتم في وسط بشري كثيف ومشترك، حيث يتحول التسوق من فعل استهلاك فردي إلى طقس جماعي يعزز الانتماء ويمنح المناسبة بعداً احتفائياً يتجاوز مجرد تلبية الحاجيات المادية. ويُفسر ذلك من خلال ما تُعرف بنظرية الامتثال الاجتماعي (Social Conformism)، حيث يميل الأفراد إلى تبني سلوكات الجماعة الموحدة والشعور بالراحة عند المشاركة في الهموم والاهتمامات نفسها، مما يجعل من الازدحام نفسه عامل جذب وتحفيز وليس عامل طرد. وتُعد العقلية المغربية، في كثير من تجلياتها، ميالة إلى منح الأشياء قيمة معنوية أكبر عندما تُشترى في ظل مشاركة جماعية وضجيج الأسواق، حيث يتداخل الاستهلاك مع التعبير عن الفرح والاستعداد للعيد كحدث جامع، مما يخلق دينامية سوقية خاصة تتميز بذروة طلب مركزة في أيام محددة، تؤثر على استراتيجيات الباعة وعروضهم التسويقية.
نحو وعي استهلاكي متوازن: توصيات عملية لتخفيف ضغط المناسبات مع الحفاظ على البعد الاحتفائي
يُعد فهم هذه الآليات النفسية والاجتماعية خطوة أولى وأساسية نحو تطوير عادات تسوق أكثر تنظيماً ووعياً، تسمح للمواطن المغربي بالاستفادة من مزايا التخطيط المسبق دون إلغاء البعد الاحتفائي والجماعي الذي يميز ثقافته في التعامل مع المناسبات. ويمكن للأسر اعتماد استراتيجيات عملية كإعداد قوائم مسبقة للحاجيات، والبدء في الاقتناء التدريجي قبل أسابيع من العيد، مع تخصيص يوم أو اثنين فقط للتسوق الجماعي الأخير لانتقاء بعض القطع الرمزية أو الهدايا، مما يوازن بين الراحة الشخصية والجودة الاقتصادية من جهة، والقيمة الرمزية والمشاركة الاجتماعية من جهة أخرى. كما يمكن للسلطات المحلية وغرف التجارة دعم هذه التحولات من خلال تنظيم أسواق مؤقتة ممتدة زمنياً، وتشجيع العروض التحفيزية المبكرة، وتعزيز التوعية المالية للأسر حول فوائد التخطيط الاستهلاكي. وتظل ظاهرة التسوق في اللحظات الأخيرة مرآة غنية تعكس تفاعل الإنسان المغربي مع الزمن والمناسبات والجماعة، حيث يلتقي الفردي بالجماعي، والنفسي بالاجتماعي، والاقتصادي بالثقافي، في نسيج مركب يستحق الدراسة المستمرة لتطوير ممارسات استهلاكية أكثر استدامة وسلاسة، تحفظ للمواطن كرامته الشرائية وراحته النفسية، وتعزز في الوقت نفسه دينامية الأسواق المحلية كرافعة للتنمية الاقتصادية المحلية.



















