بمناسبة عيد ميلادها القديسة فيروز… تلملم ذاكرتنا بالهُدبِ

كتب محمود الراشد
في كل زيارة لي إلى دبي لا بد من المرور على (الوافي) والإطمئنان على (خان مرجان) الذي نُقل بصورة مصغرة ورائعة عن خانات وأسواق حلب القديمة ، حيث أمضي بعض الوقت أمتع ناظري بالمشربيات الخشبية والأقواس الحجرية المزخرفة
وأستمع إلى خرير الماء المنبعث من النافورة التي تتوسط المكان ،
كل ذلك وصوت فيروز ينوح:
(لملمت ذكرى لقاء الأمس بالهُدبِ
ورحتُ أحضنها في الخافق التعّبِ
أيدٍ تلوح من غيبٍ وتغمرني
بالدفءِ والضوء بالأقمارِ والشُهبِ)
وينقلني إلى هناك إلى حلب حيث تركت
القلعة رابضة تحرس ذكرياتي
وترقب الأسواق القديمة بحنان
وكأنها تطمئن على ملاعب طفولتي ومراهقتي ،
آه لو تعلموا أيها الأعزاء كم خففت فيروز من أوجاعي وكم بلسمت جروح القلب بصوتها الملائكي.
أنا على يقين بأنكم عشتم مثلي
طفولة ملونة يحتضنها حنان
الأم ويدغدغ قلبها الغض صوت
فيروز وحفنة أحلام وردية ،
كما أنني أعلم بأننا نقتسم
كل الأشياء الجميلة وحب هذه الأيقونة البديعة
التي لونت حياتنا بألوان قوس
قزح قبل أن يلفنا اللون
الرمادي ببروده الباهت .
لفيروز مساحة في القلب والوجدان
هيهات لأحد أن ينافسها عليها، فصاحبة الصوت السماوي
كانت رفيقتي في السفر ،
والصوت المتسرب من حنان الضيعة ، دندنة
ست البيت وهي تسقي ورود شباكها ،وخليلة العاشق ،
وإيقاع الصباح الذي يضبط
خفقات قلبي طوال اليوم،
وهي التي تصحبنا إلى
رأس النبع وتنزل بنا السفح
الذي وشحته الثلوج ،
وفي الليالي المقمرة يسعفنا
صوتها الشجي ونترجى
الحبيب : (سهار بعد سهار تايحرز
المشوار ) ،
هي التي ننتظر معها بياع الخواتم لنقدم للحبيبة هدية العمر ،
ونصحبها معنا إلى روضة البلابل
عندما كنا نخطو خطواتنا الأولى
على مدارج الدراسة،
وظلت رفيقتنا الأثيرة في المدرسة، وعندما بدأت قلوبنا الغضة تتعرف على الحب رددنا معها : (بكير طّل الحب على حيٍ لنا ) .
كان صوتها رسالة رمزية تعلن عن وصول الحبيبة ، فعندما
كنت أسمع :(يمسّيكم بالخير ياجيران ..جايي أنا خلّو القمر سهران ) أعرف بأن حسناء الحي عادت من المدرسة ووضعت جهاز التسجيل بين زهيرات الياسمين وغصون العسلية التي تغفو على الجدار الذي يفصل بين بيتنا وبيت الحبيبة لتقول لي أنا هنا.
في الجامعة إختارت فيروز مقعدها بيننا بعناية وراحت تشارك معنا
في الدروس والغزل والعتاب
وخصام العاشقين ،
(بكتب إسمك ياحبيبي على الحور العتيق .. تكتب إسمي ياحبيبي
على رمل الطريق ).
عندما تركت قلبي في حلب كنت أنادي
من باريس بصوتها
المحزون:( ياجبل البعيد خلفك حبايبنا ).
لم أتصل يوماً بالحنونة الراحلة أمي إلا وكانت تصر على أن تُسمعني: (ياطير ياطاير على طراف الدني لو فيك تحكي للحبايب شو بني ياطير).
كلما سمعت هذه الأغنية ينداح
طوفان من الذكريات بين أضلعي
وتترقرق دموعي حاملة معها
سيل من الأسئلة العصية :
هل سينزاح هذا الكابوس المخيف ونرجع إلى حينا
كما تطمئننا الصادقة البريئة فيروز: ( سنرجع يوماً إلى حينا
ونغرقُ في دافئات المنى
سنرجع مهما يمر الزمان
وتنأى المسافات مابيننا
فياقلبُ مهلاً
ولاترتمي على درب عودتنا
يعز علينا غداً
أن تعود رفوف الطيور ونحن هنا ).
أعلم بأن صاحبة الصوت النقي كالعسل المصفى كانت تذرف اللؤلؤ على قدسنا الضائعة ،
ولكن جُّل ما أخشاه أن تتحقق
نبوءة القديسة فيروز ونصبح
كعصفورة الشجن: (أنا ياعصفورةٓ الشجنِ
مثل عينيكِ بلا وطنِ
بكِ ما بالطفل تسرقه
أول الليل يد الوسن
وإغترابٌ بي وبي فرحٌ
كارتحالِ البحر بالسفنِ
أنا لا أرضٌ ولا سكنٌ
أنا عيناكي هما سكني) .
عطر الليل أو زاد الخير
لم تُمارس الغش والخديعة
معنا أبداً ،كانت دائماً تصارحنا بحقيقتنا
وتدافع عنا بصوتهاالآسر وأهدابها الحريرية،
وهي وحدها تحافظ على طفولتنا
وفي عوالمها النقية الصافية
نبحث عن براءتنا المستباحة
ومعها فقط نقف خلف النوافذ
نرقب غروب الشمس ،
وهي التي تذكرنا بأن العصافير
جاءت (تتلطى)على شبابيكنا
من الزمهرير ،
آه من هذا الزمهرير
الذي أطال المقام في وطني الجريح سورية،
ياله من زائر بغيض يصطحب
معه كائنات ذئبية لا تعرف
للأوف معنى ولا تستطيب
الحنين إلى زمن البراءة
زمن فيروز .
مهلاً أيها الأعزاء أعلم بأنني أطلت عليكم
ولكن ألا يحق لهذه الصابرة
التي ضمتنا بين حنايا صوتها
وحمتنا من قسوة هذا العالم ووحشيته ، ألا يحق لها
أن نمنحها بعضاً من وقتنا
بعضاً من وجداننا بعضاً
مما تبقى من براءتنا ؟
لنستمع لهذه الأغنية التي
تهدهد لنا بكفين دافئتين
وتدعونا إلى لحظة تأمل
لحظة نكتشف فيها دواخلنا
قبل أن تهرب منا طفولتنا إلى الأبد



