
ترميم مركب الملك خوفو في المتحف المصري الكبير مشروع أثري حي يسحب الأنظار
ترميم مركب الملك خوفو في المتحف المصري الكبير: مشروع أثري حي يسحب الأنظار
في حدث أثري إستثنائي جذب إهتمام المصريين والعالم، يشهد المتحف المصري الكبير في الجيزة عملية ترميم وإعادة تركيب مركب الملك خوفو الثاني أمام أنظار الزائرين، في ما وصفه الخبراء بأنه أحد أهم مشاريع الترميم الأثري في القرن الحادي والعشرين.
المركب الذي يجري العمل عليه مصنوع من خشب الأرز ويتكون من حوالي 1650 قطعة خشبية بينها عناصر معقدة ودقيقة، ويبلغ طوله نحو 42 مترًا. يُعتقد أن هذا المركب كان معدًا ليخدم الملك خوفو – صاحب الهرم الأكبر بالجيزة – في رحلته إلى العالم الآخر، إما أثناء الجنازة أو كرمز لرحلته الروحية مع إله الشمس «رع».
هذا المركب هو الثاني من نوعه الذي عُثر عليه بجوار هرم خوفو في عام 1954، بينما الأول كان قد أعيد تركيبه وعُرض في متحف آخر منذ الستينيات. ومع أن المركب الثاني كان في حالة هشة للغاية عند إكتشافه، فإن العمل الأثري الدقيق جعله مؤهلاً الآن لعملية إعادة التركيب.
ما يميز هذه العملية عن غيرها من مشاريع الترميم هو إجراء العمل في موقع مفتوح داخل المتحف أمام الزوار. فقد تم نقل القطع التي عُولجت ورُمّمت إلى قاعة «مراكب الملك خوفو» داخل المتحف، حيث يتم تركيبها تدريجيًا فوق هيكل معدني أمام الجمهور، مما يتيح للزائرين متابعة مراحل الترميم خطوة بخطوة.
علق أحمد غنيم – الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف المصري الكبير – بأن المتحف يوفر تجربة فريدة من نوعها تُمكّن الزوار من مشاهدة ترميم القطع الأثرية في الوقت الحقيقي، وهو ما لا يتوفر في معظم المتاحف العالمية. وأوضح أن العملية، التي بدأت بعد أنتهاء مرحلة معالجة الأخشاب، قد تستمر من ثلاث إلى خمس سنوات حتى الإنتهاء الكامل من تركيب المركب.
العمل على هذا المشروع لم يكن تقليديًا فحسب، بل إستعان بخبرات مصرية ودولية وتجهيزات متقدمة في الحفظ والترميم. فقد خضع الخشب للفحص الدقيق والمعالجة، كما تم إستخدام أدوات حديثة لضمان توثيق رقمي ومادي لكل قطعة قبل تركيبها.
ويمثل هذا المشروع نقلة نوعية في تقديم التراث المصري القديم، إذ يوثق التآزر بين العلم الحديث والمعرفة الأثرية التقليدية، ويضع المتحف المصري الكبير في مصاف المؤسسات الثقافية العالمية.
لا تقتصر أهمية هذا المشروع على القيمة التاريخية للمركب فحسب، بل تمتد إلى البعد السياحي والإقتصادي. فالمتحف، الذي افتتح حديثًا باستثمارات تخطت المليار دولار ويُعد من أكبر المتاحف الأثرية في العالم، يضم نحو 50 ألف قطعة أثرية تشمل مجموعة توت عنخ آمون وغيرها من الكنوز التاريخية. ويرى المسؤولون أن مثل هذه المشاريع تضيف قيمة كبيرة للتجربة السياحية وتدعم الجذب الثقافي لمصر.
إن عملية ترميم مركب الملك خوفو في المتحف المصري الكبير تمثل إنصهارًا بين الماضي والحاضر؛ حيث تتلاقى الحضارة المصرية القديمة مع أحدث تقنيات الحفظ والترميم، وتتحول إلى عرض حي أمام الزوار، لتكتسب مصر موقعًا مرموقًا في خارطة المتاحف العالمية الحديثة، وتجد تراثها الأثري مكانة تليق بعظمته عبر قرون.


















