
جامع الأندلس: جوهرة فاس العتيقة وشاهد على التراث الأندلسي المغربي
في قلب فاس العتيقة، حيث تتشابك الأزقة الضيقة والأصوات الروحانية، يقف جامع الأندلس كأحد أعمدة الذاكرة الإسلامية في المغرب. هذا المسجد، الذي يُلقب بـ”توأم جامع القرويين”، ليس مجرد مكان للصلاة، بل هو شهادة حية على هجرة الأندلسيين واندماجهم في النسيج المغربي، وعلى استمرارية العمارة الأندلسية التي شكلت هوية فاس. خلال شهر رمضان المبارك، يتحول الجامع إلى مركز روحي نابض، يمتلئ بآلاف المصلين يؤدون صلاة التراويح في أجواء تجمع بين هدوء التاريخ ودفء الخشوع، مما يجعله واحداً من أجمل التجارب الرمضانية في قلب المدينة الإسلامية الأولى.
تاريخ البناء: من مسجد بسيط إلى رمز للعدوة الأندلسية
يُعد جامع الأندلس من أقدم المساجد في فاس، إذ يعود تأسيسه الأول إلى سنة 860م (245هـ)، في عهد إدريس الثاني، مؤسس المدينة. بني في البداية كمسجد صغير يخدم سكان العدوة الأندلسية (الجهة الشرقية من نهر فاس)، وكان موازياً لـجامع القرويين في الجهة المقابلة (العدوة القرويينية).
في القرن العاشر، توسع المسجد بشكل كبير في عهد الدولة المرابطية، ثم شهد إضافات معمارية هامة في العصر الموحدي والمريني.
سمي بـ”الأندلس” نسبة إلى المهاجرين الأندلسيين الذين استقروا في المنطقة بعد سقوط طليطلة (1085م) وسقوط الأندلس تدريجياً، وحملوا معهم ثقافتهم وفنونهم.
تضرر المسجد عدة مرات من الزلازل والحرائق، لكنه خضع لترميمات متتالية، آخرها في القرن العشرين وأعمال صيانة حديثة بعد زلزال الحوز 2023، ليعود بكامل بهائه في 2025-2026.
اليوم، يُصنف ضمن تراث اليونسكو كجزء من مدينة فاس العتيقة، ويُعد شاهداً على التلاقح الحضاري بين المغرب والأندلس.
السمات المعمارية: أسلوب أندلسي مغربي أصيل
يمتد جامع الأندلس على مساحة تقارب 3000 متر مربع، ويتميز بتصميم يجمع بين البساطة المرابطية والفخامة الموحدية والمرينية. قاعة الصلاة مستطيلة، تضم 11 رواقاً موازياً لجدار القبلة، تحملها أعمدة رخامية وأقواس مدببة مزخرفة.
الصومعة: ترتفع حوالي 40 متراً، مبنية على الطراز الموحدي مع زخارف كوفية وشبابيك مزخرفة، تطل على الأزقة المحيطة وتعطي منظراً بانورامياً رائعاً.
الصحن: واسع ومفتوح، محاط برواق يحتوي على أعمدة رخامية متنوعة (بعضها من مخلفات رومانية أعيد استخدامها)، ونافورة وسطية للوضوء.
المنبر: تحفة فنية من خشب الأرز المزخرف، يعود للعصر المريني، مزين بنقوش هندسية وكتابات قرآنية.
الزخارف: تعتمد على النقوش الخشبية والجبسية، الزليج الملون، والأقواس المفصصة التي تذكر بالعمارة الأندلسية في قرطبة وغرناطة.
يُعد الجامع نموذجاً للتلاقح بين الفن المغربي والأندلسي، ويُظهر كيف نقل المهاجرون الأندلسيون تقاليدهم المعمارية إلى المغرب.
دوره الروحي والاجتماعي: قلب العدوة الأندلسية في رمضان
خلال رمضان المبارك، يصبح جامع الأندلس قبلة لآلاف المصلين من سكان العدوة الأندلسية وضواحي فاس. يستقبل ما بين 15-25 ألف مصلٍ يومياً في الليالي العادية، ويتجاوز العدد 50 ألف في ليلة القدر وختم القرآن.
تُلقى فيه دروس دينية يومية، وتُنظم حلقات قرآنية وحفلات إفطار جماعية.
يجذب الزوار للاستمتاع بالأجواء الهادئة والتراثية، خاصة أنه يقع قرب باب الفتوح وساحة بو جلود، مما يجعله جزءاً من النسيج الحي لفاس.
يرمز إلى التسامح الديني والتراث المشترك، حيث كان ملتقى للعلماء والصوفية عبر العصور.
نصائح عملية للزيارة
أفضل وقت: الغروب أو بعد صلاة المغرب للاستمتاع بإضاءة الصومعة، أو الفجر للهدوء.
الوصول: في قلب فاس البالي، قرب باب الفتوح، سهل سيراً أو بتاكسي من باب بوجلود.
اللباس: محتشم تماماً.
التصوير: مسموح من الخارج بحرية، داخلياً محدود لغير المسلمين.
الأفضل: زيارة الحي المحيط والاستمتاع بالأجواء الأندلسية في المقاهي القريبة.
جامع الأندلس ليس مجرد مسجد؛ إنه رمز للهجرة، التلاقح الحضاري، والصمود. في رمضان، يصبح مركزاً للوحدة والتآلف، يذكرنا أن التراث المغربي يجمع بين الأندلس والمغرب تحت سماء واحدة، ويبقى شاهداً على تاريخ أمة عريقة.



















