
رحيل الحاجة فاطمة بنسليمان حصار.. رائدة النضال النسائي والوطني الذي سطّر تاريخ المغرب الحديث
في صباح يوم الجمعة 30 يناير 2026، غادرت الحياة واحدة من أبرز رائدات النضال الوطني والعمل الاجتماعي في المغرب المعاصر: الحاجة فاطمة بنسليمان حصار. توفيت المناضلة الاستقلالية بعد مسيرة حافلة بالعطاء، تركت فيها بصمة لا تُمحى في معركة الاستقلال، في الدفاع عن حقوق المرأة، وفي بناء وعي اجتماعي وتربوي عميق. كانت والدة كاتب الدولة الأسبق في وزارة الداخلية محمد سعد حصار، وشقيقة القائد العام السابق للدرك الRoyalي الجنرال حسني بنسليمان، لكنها ظلت – قبل كل شيء – رمزاً للمرأة المغربية التي رفضت الصمت في زمن الاستعمار والقمع.
رحيلها لم يكن مجرد خبر عابر في صفحات النعي، بل خسارة لجزء من الذاكرة الوطنية الحية، ودعوة للأجيال الجديدة لاسترجاع سيرة نساء صنعن تاريخ المغرب بعزيمة وشجاعة نادرة.
بدايات النضال: من فتاة في سن المراهقة إلى صوت قوي ضد الاستعمار
ولدت فاطمة بنسليمان حصار في أواخر العشرينيات في أسرة وطنية متدينة وواعية سياسياً. انخرطت في حزب الاستقلال منذ سن مبكرة جداً، في وقت كان الانتماء إلى الحركة الوطنية يعني المخاطرة بالسجن أو التعذيب أو حتى الموت. لم تكن مجرد متعاطفة أو داعمة من الخلف؛ بل كانت فاعلة مباشرة في معارك الوعي والتعبئة الشعبية.
من أبرز مواقفها التاريخية:
- معركة الظهير البربري (1930): كانت في طليعة النساء اللواتي نزلن إلى الشوارع للاحتجاج على الظهير الذي سعى إلى فصل الأمازيغ عن العرب والإسلام. شاركت في تنظيم وقفات نسائية، ودعت إلى تلاوة سورة اللطيف في المساجد والأزقة كشكل من أشكال المقاومة الشعبية السلمية.
- تعبئة التجار والأسواق: ساهمت في حث التجار على الإضراب العام ومقاطعة البضائع الفرنسية، وهي خطوة كانت محفوفة بالمخاطر في زمن كانت فيه السلطات الاستعمارية تُعاقب المقاطعين بقسوة.
- الدور التربوي والاجتماعي: بعد الاستقلال، انصبت جهودها على النهوض بأوضاع المرأة والطفولة. شغلت مناصب قيادية داخل الاتحاد النسائي التابع لحزب الاستقلال، وساهمت في إنشاء مدارس حرة وجمعيات خيرية لرعاية الأيتام والأسر المعوزة.
كانت تؤمن أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بتحرير المرأة من الجهل والفقر والتهميش، وهو ما جعلها رائدة في دمج البعد الاجتماعي داخل النضال السياسي.

عضوية اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال: صوت نسائي قوي في قلب القرار
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تم انتخاب الحاجة فاطمة عضواً في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال – وهو منصب نادر جداً للنساء في تلك الفترة. لم تكن مجرد عضوة شكلية؛ بل كانت تشارك في صياغة السياسات الاجتماعية والتربوية للحزب، وتدافع بشراسة عن حقوق المرأة داخل الحركة الوطنية نفسها.
كانت تكرر دائماً مقولة شهيرة لها: “الاستقلال الذي لا يشمل تحرير المرأة نصف استقلال فقط.”
هذه الرؤية جعلتها رمزاً للنساء اللواتي رفضن أن يكنّ مجرد “داعمات” في الخلفية، بل أردن أن يكنّ شريكات في صنع القرار.
إرث عائلي ووطني: أبناء وبنات حملوا مشعل النضال
لم يكن نضال الحاجة فاطمة محصوراً في شخصها؛ بل امتد إلى عائلتها التي أصبحت رمزاً للالتزام الوطني:
- ابنها محمد سعد حصار شغل منصب كاتب الدولة في وزارة الداخلية في تسعينيات القرن الماضي.
- شقيقها الجنرال حسني بنسليمان تولى قيادة الدرك الملكي لسنوات طويلة، وكان من أبرز الوجوه الأمنية في المغرب الحديث.
هذا الإرث العائلي يعكس كيف تحولت عائلة بنسليمان حصار إلى نموذج للالتزام بالوطن على مستويات مختلفة: السياسية، الأمنية، والاجتماعية.
تشييع مهيب: وداع وطني لرمز من رموز الاستقلال
أُقيمت صلاة الجنازة على جثمان الراحلة يوم الجمعة 30 يناير 2026 بمسجد الأندلس في حي الرياض بالرباط، بحضور حاشد من الشخصيات السياسية والوطنية والعائلية. ووري جثمانها الثرى في المقبرة المجاورة وسط حضور كبير يعكس مكانتها في الذاكرة الجماعية.
حضر التشييع قيادات حزب الاستقلال، ممثلون عن الحركة النسائية، وعدد من الوزراء والبرلمانيين السابقين، إلى جانب أفراد عائلتها وأبناء الحي الذين عرفوها عن قرب كأم حنون ومناضلة لا تهدأ.
لماذا تبقى الحاجة فاطمة بنسليمان حصار رمزاً خالداً؟
في زمن يتحدث فيه الكثيرون عن تمكين المرأة، تبقى سيرة الحاجة فاطمة درساً حياً في أن التمكين الحقيقي لا يأتي بالخطابات، بل بالمشاركة الفعلية في صنع التاريخ حتى في أحلك الظروف. كانت:
- مناضلة في سن المراهقة ضد الاستعمار.
- مدافعة عن حقوق المرأة داخل حزب سياسي ذكوري في الغالب.
- أماً وربت أبناء حملوا مشعل الوطنية في مجالات مختلفة.
- صوتاً نسائياً قوياً في اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال.
رحيلها يترك فراغاً في الذاكرة الوطنية، لكنه يفتح الباب أمام سؤال كبير: هل نعرف كيف نحفظ سير نساء المغرب اللواتي صنعن الاستقلال بأيديهن وشجاعتهن؟
الحاجة فاطمة بنسليمان حصار لم تكن مجرد اسم في سجل المناضلين؛ كانت جسراً بين جيل الاستقلال وأجيال الحرية. رحمها الله رحمة واسعة، وأسكنها فسيح جناته، وجعل قبرها روضة من رياض الجنة.















