
رحيل محمد عهد بنسودة.. صانع سينمائي مغربي أصيل غادرنا عن 56 عاماً
في صباح يوم الأربعاء 4 فبراير 2026، تلقت الساحة الثقافية المغربية خبراً أليمًا: وفاة المخرج والسيناريست محمد عهد بنسودة عن عمر يناهز 56 سنة، بعد معاناة طويلة مع المرض. الرحيل جاء مفاجئاً رغم الوعكة الصحية التي كان يعاني منها منذ فترة، وترك فراغاً عميقاً في قلوب زملائه، تلاميذه، والجمهور الذي تعلق بأعماله التي جمعت بين الجرأة الفنية والعمق الإنساني.
لم يكن بنسودة مجرد مخرج يقدم أفلاماً أو مسلسلات؛ كان راوياً يمتلك قدرة نادرة على التقاط تفاصيل الحياة اليومية المغربية، وتحويلها إلى قصص تلامس الوجدان وتثير التفكير في آن واحد. رحيله ليس خسارة فردية، بل خسارة لجيل كامل يبحث عن صوت سينمائي يعبر عن همومه بصدق ودون تصنع.
بدايات متواضعة وشغف مبكر بالصورة المتحركة
ولد محمد عهد بنسودة في الدار البيضاء في أواخر الستينيات، في حي شعبي غذّى خياله وجعله حساساً تجاه الطبقات المهمشة والواقع الاجتماعي القاسي. منذ صغره كان مولعاً بالسينما؛ كان يقضي ساعات طويلة أمام شاشات السينمات الشعبية في “درب السلطان” و”عين الشق”، يتابع أفلاماً مصرية وهندية وفرنسية، لكنه سرعان ما اكتشف أن ما يريده هو أن يحكي قصصاً مغربية بطريقة مغربية.
درس في المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما (ISCAE) بالرباط، ثم أكمل تكوينه في فرنسا حيث تعرف على مدارس سينمائية مختلفة (الواقعية الجديدة، السينما المباشرة، السينما الشعرية). لكنه – على عكس كثير من زملائه – لم ينجرف نحو التقليد الغربي؛ ظل وفياً لجذوره، وعاد إلى المغرب مصمماً على صناعة سينما محلية في جوهرها وعالمية في لغتها.
مسيرة فنية مزجت بين السينما المستقلة والدراما الجماهيرية
بدأ بنسودة كمساعد مخرج في أواخر التسعينيات، ثم انتقل سريعاً إلى كتابة السيناريو والإخراج. أولى أفلامه القصيرة لفتت الانتباه بجرأتها في تناول مواضيع كانت تُعتبر “محظورة” في ذلك الوقت: الهجرة غير النظامية، البطالة، العنف الأسري، الهوية الثقافية في زمن العولمة.
أبرز محطات مسيرته
- “الطريق إلى الجنة” (2008) فيلم روائي طويل يروي قصة شاب من حي شعبي يحلم بالهجرة إلى أوروبا. الفيلم حاز جوائز في مهرجانات عربية ودولية، واعتُبر نقطة تحول في مسيرته.
- “ظلال الذاكرة” (2014) دراما نفسية عميقة استكشفت آثار الصدمات الماضية على الحاضر. العمل تميز بأداء تمثيلي استثنائي وبصريات شاعرية جعلته يُقارن بأعمال المخرجين الكبار.
- “عين كبريت” (2023–2024) مسلسل تلفزيوني جمع بين التشويق والدراما الاجتماعية، وحقق نسب مشاهدة قياسية. تناول قضايا الفقر، الفساد، والعلاقات الأسرية بأسلوب واقعي لم يخلُ من لمسة إنسانية دافئة.
- “الصك وغنيمة” (2025) آخر أعماله، وكان يُعد من أبرز الإنتاجات الرمضانية الأخيرة. المسلسل تناول الطمع، الفقر، والصراعات الاجتماعية بطريقة تجمع بين الترفيه والنقد الاجتماعي.
ما يميز أعمال بنسودة هو قدرته على التوفيق بين الرسالة والمتعة؛ لم يكن يقدم محاضرات، بل قصصاً تجعل المشاهد يبكي، يضحك، ثم يفكر.
شخصية متواضعة وملتزمة خارج الكاميرا
من عاشر محمد عهد بنسودة يشهد له بالتواضع الشديد والأخلاق العالية. كان يعامل الجميع – من فني الإضاءة إلى نجم كبير – باحترام متساوٍ. كثيراً ما كان يقول في لقاءاته:
“السينما ليست ملكاً للمخرج، بل هي ملك للجمهور الذي يمنحها الحياة.”
كان ملتزماً بقضايا المجتمع، وشارك في العديد من المبادرات لدعم الشباب السينمائيين، وكان يحرص على إشراك مواهب جديدة في أعماله. كان معلماً وأباً فنياً لجيل من المخرجين الشباب الذين يرون فيه قدوة.
ردود الفعل: حزن عميق وشهادات مؤثرة
ما إن انتشر الخبر حتى غمرت وسائل التواصل تعازٍ وشهادات حب:
- عباس النوري: “فقدنا صوتاً صادقاً كان يحكي عنا بأمانة. رحمك الله يا محمد.”
- لطيفة أحرار: “كنت دائماً تبتسم حتى في أصعب اللحظات. اليوم نبتسم لك ونبكي عليك.”
- محمد خياري: “كان معلماً وصديقاً. السينما المغربية فقدت أحد أعمدتها.”
- صباح الجزائري: “رحلت وتركت فينا جرحاً لن يندمل. أعمالك ستظل شاهدة على إنسانيتك.”
حتى الجمهور العادي شارك بكثرة، ناشرين مقاطع من أعماله ومعبرين عن مدى تأثرهم بشخصيات كانت تبدو “حقيقية” إلى درجة أن البعض اعتقد أنها تعكس حياتهم.
إرث يبقى: ماذا يترك محمد عهد بنسودة؟
رحيل محمد عهد بنسودة في سن الـ56 يذكرنا بقصر العمر وقيمة الإبداع. لكنه أيضاً يترك إرثاً حياً:
- مجموعة أعمال سينمائية وتلفزيونية ستظل تُشاهد وتُدرس لسنوات قادمة.
- جيلاً من الشباب السينمائيين تعلم منه الصدق والجرأة والالتزام.
- نموذجاً للمخرج الذي يجمع بين الفن والالتزام الاجتماعي دون أن يفقد الجاذبية الجماهيرية.
في زمن تكثر فيه الأعمال السطحية، كان بنسودة يذكرنا أن السينما يمكن أن تكون مرآة للمجتمع، وأداة للتغيير، وفضاء للإنسانية.
اليوم تغلق كاميرا واحدة، لكن الصور التي التقطها محمد عهد بنسودة ستبقى تتحدث عن المغرب، عن أحلامه وآلامه، لأجيال قادمة.
رحم الله محمد عهد بنسودة، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وأبقى روحه في كل عمل سينمائي يسعى للصدق والإنسانية.



















