“رشادة القيادة تُجنب بُكاء الشعوب على السيادة “

بقلم :د. محمد المنشاوي
أحدثت الحرب الإيرانية شروخاً في جدار “التماسك” العربي، ظهرت واضحة في بعض ردود فعل الدوائر القريبة من صُناع القرار -المحسوبة عليهم أو المنسوبة لهم- لدرجة أوصلتهم عصبيتهم إلى التبجح بالإصطفاف إلى جانب العدو الإسرائيلي والكُفر بالقومية العروبية ..
في الوقت الذي تناثرت في الأفق صورُ مشوشة تحاول تصوير مصر خارج معادلة “الفعل العربي”، واصفةً القاهرة بحسابات ضيقة تتجاهل حقيقة أن مصر القوية الرشيدة المتماسكة هي الركيزة التاريخية والمحورية لمنظومة الأمن القومي العربي ..
لقد إختلطت الأمور في أذهان الكثيرين داخل دول الإقليم لاسيما الخليجية منها، على وقع الضربات الإيرانية المتناثرة لأهداف أمريكية داخل بلادهم حتى كشفوا عن مكنون دواخلهم بالتغني للمشروع الإسرائيلي التوسعي الشرق أوسطي الجديد حتى وإن شكل ذلك إنتحاراً لعروبتهم ..
ليقع هؤلاء بذلك في شِراك الأهداف الخبيثة التي تبناها المشعلون الإسرائيليون لهذه الحرب في جر المنطقة إلى الحرب أو إحداث فتنة يتآكل معها هذا “التماسك” العربي الذي لم يعرف “تضامناً” منذ حرب أكتوبر المجيدة عام 73 مع نفس ذلك العدو الصهيوني التوسعي، حتى وصل الأمر إلى تهور أحد هذه الرموز الواقعة عند طرف الخليج ليعلن دون مواربة “أن أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة” !! ..
ونسي هؤلاء الغاضبون أن ما آلت إليه هذه الأوضاع في بلدانهم وما حل بهم، ما هو إلا نتيجة لعدم الرشادة على المدى القصير والطويل وإيلاء الثقة للطامعين المُتنمرين الذين لم يأتوا إلى هذه الحرب سوي لمصلحتهم وحماية دولة الكيان التي زرعوها بين ظهرانينا لا للذود عنهم وحمايتهم وثمناً لتحويل أراضيهم إلى “حضانات” للوجود الأجنبي ..
فالرشادة القيادية السياسية للدول دائماً ما تُجنب شعوبها البكاء والعويل على إنتهاك سيادة الأرض وصيانة العِرض، واللجوء إلى توظيف ما تمتلكه الدول من قدرات ذاتية قد تكون عظيمة في كثير من الأحيان دون الكسل والإرتكان على الآخرين الذين يقدمون مصالحهم الذاتية على مَنْ سواهم لا يشغلهم عن ذلك شاغل .. والتاريخ يحكي !! ..
تلك الرشادة المصرية يؤكدها تاريخ السنوات الأخيرة وما قبلها من خلال قائمة طويلة من المطالب الأمريكية التي قوبلت بالرفض المصري تأكيداً لأدبيات العقيدة المصرية الراسخة في صون وحماية سيادتها حتى في أحلك الظروف الإقتصادية التي مرت بها، لتصبح مصر الوحيدة في الإقليم التي خلت من قواعد عسكرية أجنبية على أرضها، وبما جعلها موضع دليل من الآخرين الذين إستدلوا بها عند رفضهم لدعوة ترامب لهم بالإشتراك في الحرب مثل رئيس الوزراء الأسباني بيدروا سانشيز الذي تغنى برفض مصر لقواعد أمريكية على غير الآخرين ..
فقد طلبت أمريكا من مصر قاعدة عسكرية لمحاربة داعش في ليبيا وأخرى لمحاربة الحوثيين في اليمن وكانت عينها على قاعدة محمد نجيب وبرنيس ورفضت مصر، وطلبت أمريكا أن تشارك الجيش المصري في حرب داعش في سيناء ورفضت مصر ..
وعندما طلبت أمريكا إنهاء صفقة القرن أو حتى تعديلها، كان الرفض المصري، وعندما قررت أمريكا أن القدس عاصمة لإسرائيل، أخذ مشروع القرار المصري أغلبية الأصوات ضد القرار الأمريكي عندها لجأت واشنطن للفيتو .. وعندما طلبت أمريكا من مصر إمداد أوكرانيا بدبابات إبرامز، رفضت مصر .. وعندما طلبت أمريكا من مصر توضيح مستوى العلاقات مع كوريا الشمالية، صعقتهم قاهرة المعز بالرد أنه أمر سيادي لمصر ولا يحق لأحد التدخل فيه، وفضحت مصر أمريكا وتجسسها على العالم ومنهم حلفاء لواشنطن، ثم مَنْ ينسى فضح مصر للمنظمات الدولية وتبعيتها لأمريكا سياسياً لتكشف وتفضح جواسيس واشنطن العاملين تحت ستار الجمعيات الأهلية والحقوقية ومنهم 19 جاسوساً كانوا في مصر وتم تسليمهم في صفقة تبادلية لإرجاع عالم الصواريخ المصري د. عبد القادر حلمي الذي كان محتجزاً بأمريكا تحت الإقامة الجبرية لمدة 35 عاماً بعد عملية الكربون الأسود التي أضرت بتجارة الطائرات الشبح الأمريكية ..
كما فضحت مصر صناعة أمريكا لداعش وأنها صانعة مؤامرة الخراب العربي، وإخترقت مصر جهاز الأمن القومي الأمريكي بحصولها على وثيقة بيع سيناء وتجنيد محمد مرسي وإعطائه درجة الدكتوراة مكافأة له عن كشفه ضابط المخابرات المصري حسام خير الله وتسبب في القبض على العالم المصري عبد القادر حلمي عام 89 في عملية الكربون الأسود، بل أسقطت مصر إلى غير رجعة أهم وأخطر عميل لهم في مصر وهو الإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان الإرهابية والقائمة تطول وما خفى كان أعظم ..
وما كان هذا الجهد المصري العظيم للحفاظ على أمن وسيادة الوطن المصري ليحدث أبداً على هذا النحو، إذا كان القرار المصري وصانعه رهينة في أيدي هؤلاء المتنمرين المتربصين في أمريكا والغرب من خلال قواعد عسكرية أو تسهيلات تنقص بدورها من سيادة الأرض المصرية، كغيرها في دول الإقليم ..
فدائماً ما تؤتي الرشادة المصرية ثمارها حتى وإن تأخر إدراك الآخرين لمغزاها، إلى أن يستوعب المتربصون والغاضبون -على السواء- الأهداف والمرامي المباشرة وغير المباشرة التي تكمن ورائها !! ..
ويتجلَى ذلك واضحاً في كشف مصر للأسباب الحقيقية وراء إشعال الحرب (الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية) والتحذير من التوحل في مستنقعها، والوقوع ضحية لنوايا مُشعلوها في جر المنطقة برمتها إلي حرب لا تستهدف أساساً سوى هيمنة إقتصادية وإبتزازات دولارية، وسيطرة توسعية صهيونية تشمل التحكم في المنافذ والممرات البحرية لخنق ثروات العرب شرقاً وغرباً ..



