
سرطان البنكرياس تحت السيطرة لأول مرة..علاج إسباني يمحو الأورام نهائياً
في تطور طبي مثير يُعد من أبرز الإنجازات في مجال أبحاث سرطان البنكرياس خلال العقود الأخيرة، نجح فريق بحثي إسباني في تحقيق اختفاء كامل ودائم لأورام هذا السرطان الفتاك في نماذج فئران تجريبية. الدراسة، التي أجراها المركز الوطني الإسباني لأبحاث السرطان (CNIO) بقيادة الدكتور ماريانو بارباسيد – أحد رواد أبحاث جين KRAS – نُشرت في مجلة PNAS (Proceedings of the National Academy of Sciences) في يناير 2026، وأثارت تفاؤلاً كبيراً في الأوساط العلمية والطبية.
يُعرف سرطان البنكرياس بأنه أحد أكثر أنواع السرطان فتكاً، حيث يبلغ معدل البقاء على قيد الحياة لخمس سنوات بعد التشخيص أقل من 10% في معظم الحالات المتقدمة. السبب الرئيسي في هذا التشاؤم هو طفرة جين KRAS التي توجد في نحو 90% من الحالات، والتي تجعل الورم مقاوماً لمعظم العلاجات التقليدية والحديثة. لكن النهج الجديد يغير هذه المعادلة من خلال علاج ثلاثي يهاجم الورم من ثلاث جبهات في وقت واحد، مما يمنع تطور المقاومة ويؤدي إلى انحسار تام للورم.
خلفية المشكلة: لماذا يُعد سرطان البنكرياس “السرطان الصعب”؟
سرطان البنكرياس، وبالأخص النوع الأكثر شيوعاً المعروف بـالسرطان الغدي القنوي البنكرياسي (PDAC)، يتميز بعدة عوامل تجعله تحدياً طبياً هائلاً:
- التشخيص المتأخر: غالباً ما يظهر المرض أعراضاً متأخرة مثل اليرقان، فقدان الوزن، آلام البطن، والإرهاق، مما يعني أن أكثر من 80% من الحالات تُكتشف في مراحل متقدمة غير قابلة للجراحة.
- الانتشار السريع: ينتشر الورم بسرعة إلى الكبد، الرئتين، والغدد اللمفاوية.
- المقاومة الدوائية: حتى مع ظهور مثبطات KRAS الحديثة (مثل تلك المعتمدة لسرطان الرئة)، يطور الورم مقاومة خلال أشهر قليلة بفضل مسارات إشارات بديلة.
- البيئة الورمية: يحيط الورم بنسيج ليفي كثيف يعيق وصول الأدوية والجهاز المناعي.
لهذه الأسباب، يقتل سرطان البنكرياس أكثر من 95% من المصابين خلال خمس سنوات، مما يجعله السبب الرئيسي الثالث للوفيات بالسرطان في العديد من الدول.
الابتكار الإسباني: علاج ثلاثي يستهدف KRAS من ثلاثة محاور
قاد الدكتور ماريانو بارباسيد، الذي يُعد رائداً عالمياً في اكتشاف الجينات المسرطنة منذ الثمانينيات، فريقاً بحثياً لأكثر من ست سنوات لتطوير استراتيجية تتجاوز عقبة المقاومة. الفكرة الأساسية: بدلاً من مهاجمة KRAS من نقطة واحدة، يجب استهداف ثلاثة مسارات مترابطة في وقت واحد:
- مسار KRAS الرئيسي (downstream): باستخدام مثبط KRAS تجريبي متقدم يُدعى daraxonrasib (RMC-6236).
- مسار EGFR/HER2 (upstream): باستخدام دواء afatinib المعتمد أصلاً لسرطان الرئة، وهو مثبط لا رجعي لعائلة EGFR.
- مسار STAT3 (orthogonal): باستخدام SD36، وهو مركب PROTAC يحطم بروتين STAT3 الذي يساعد الورم على البقاء تحت الضغط العلاجي.
هذا الثلاثي يُغلق “الطرق الالتفافية” التي يستخدمها الورم للنجاة، مما يجعله غير قادر على تطوير مقاومة.

نتائج الدراسة: اختفاء كامل ودائم في ثلاثة نماذج فئران
اختبر الفريق العلاج على ثلاثة نماذج مختلفة لسرطان البنكرياس، لضمان شمولية النتائج:
- نماذج معدلة وراثياً تحمل طفرات KRAS وTP53 الشائعة في البشر.
- نماذج زرع أورام بشرية (patient-derived xenografts) من مرضى حقيقيين.
- نماذج زرع جراحي لخلايا سرطانية في البنكرياس لتقليد الورم الموضعي.
في جميع الحالات:
- أدى العلاج إلى انحسار كامل للأورام.
- لم تظهر أي علامات لعودة الورم حتى بعد أكثر من 200-300 يوم من نهاية العلاج.
- لم تُسجل سمية كبيرة أو آثار جانبية خطيرة في الفئران.
كتب الباحثون في الورقة: “هذه النتائج تفتح الطريق أمام تصميم علاجات مركبة جديدة يمكن أن تحسن بقاء مرضى سرطان البنكرياس الغدي القنوي.”
القيود والخطوات التالية: من الفئران إلى البشر
رغم الإثارة، يحذر بارباسيد نفسه من التفاؤل المفرط في هذه المرحلة:
- النتائج مقتصرة على نماذج حيوانية، والفئران كانت شابة وبصحة جيدة نسبياً، بخلاف معظم المرضى البشريين الذين يكونون كبار السن ولديهم أمراض مصاحبة.
- يحتاج العلاج إلى تجارب سريرية (المراحل 1-3) لتقييم السلامة والفعالية في البشر، وهو أمر قد يستغرق سنوات.
- لا يزال هناك تحديات في تركيبة الدواء، الجرعات، والتفاعلات الدوائية.
مع ذلك، أبدت الحكومة الإسبانية اهتماماً كبيراً، وشاركت سفارة إسبانيا في المملكة المتحدة الخبر على منصة X، مؤكدة أن هذا الاكتشاف “قد يحدث فرقاً كبيراً في مكافحة المرض”.
أهمية الدراسة في سياق أبحاث السرطان العالمية
يأتي هذا الإنجاز في وقت تشهد فيه أبحاث KRAS طفرة كبيرة، بعد عقود من الفشل. ظهرت مثبطات KRAS الأولى في 2021-2022، لكنها سرعان ما واجهت مقاومة. النهج الإسباني يُعد نموذجاً لـالعلاجات المركبة (combination therapies) التي أصبحت استراتيجية رئيسية في علاج السرطانات الصعبة مثل سرطان الرئة والقولون.
إذا نجحت التجارب البشرية، قد يصبح هذا العلاج أول تقدم حقيقي يغير مسار سرطان البنكرياس من مرض “مميت” إلى مرض “قابل للشفاء” في نسبة كبيرة من الحالات.
أمل جديد في مواجهة واحد من أكثر الأمراض فتكاً
الدراسة الإسبانية لا تعني “علاجاً نهائياً” لسرطان البنكرياس غداً، لكنها تُعد أقوى دليل حتى الآن على أن هذا المرض ليس “غير قابل للعلاج” بشكل مطلق. بفضل التركيز على مسارات متعددة بدلاً من هدف واحد، فتح الفريق الباب أمام استراتيجيات جديدة قد تنقذ آلاف الأرواح في المستقبل.















