
ملحمة تضامن وطني.. تنويه كبير بنجاح تدبير نكبة القصر الكبير والغرب وتعويضات في وقت قياسي
في أواخر يناير وأوائل فبراير 2026، اجتاحت فيضانات غير مسبوقة مناطق القصر الكبير وحوض الغرب، مخلفةً دماراً واسعاً في الأراضي الزراعية، المنازل، والبنية التحتية. ما كان يمكن أن يتحول إلى كارثة إنسانية كبرى تحول، بفضل تدخل سريع ومنسق من الدولة، إلى نموذج يُحتذى به في إدارة الكوارث الطبيعية. اليوم، وبعد أسابيع قليلة فقط، يتحدث المتضررون أنفسهم عن ملحمة تضامن وطني تجسدت في الاستجابة السريعة، الإجلاء المنظم، توزيع المساعدات، وصرف التعويضات بطريقة غير مسبوقة في سرعة وشفافيتها.
الساعات الأولى: استجابة فورية وإجلاء احترافي
منذ الساعات الأولى لارتفاع منسوب المياه، انتقلت السلطات المحلية والجهوية إلى حالة التأهب القصوى. تم إجلاء أكثر من 45 ألف شخص من المناطق المهددة، وفق إحصائيات رسمية أولية، دون تسجيل أي خسائر بشرية كبيرة نسبياً مقارنة بحجم الكارثة.
التنسيق بين القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي، الوقاية المدنية، والجماعات المحلية كان مثالياً.
تم نقل العائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة مجهزة بكل الضروريات: أغطية، أسرّة، وجبات ساخنة، وخدمات صحية.
شهدت العملية حرصاً واضحاً على كرامة الأسر، حيث تم فصل العائلات عن بعضها، وتوفير خصوصية للنساء والأطفال.
يقول أحد المتضررين من دوار قريب من القصر الكبير: “في ظرف ساعات قليلة، وصلتنا شاحنات الجيش تحملنا مع أغراضنا القليلة التي استطعنا حملها. لم نشعر أننا لاجئون، بل شعرنا أن الدولة تحملنا كأبنائها”.
عودة آمنة ومساعدات فورية: تخفيف الصدمة
بعد انحسار المياه، بدأت عملية العودة المنظمة التي استحقت الإشادة الأكبر. تم إعادة العائلات إلى منازلها (أو ما تبقى منها) في مجموعات، مع توفير:
مساعدات غذائية كافية لأسابيع: أرز، زيت، سكر، حليب، خبز، لحوم معلبة، ومواد تنظيف.
فرق طبية متنقلة رافقت العودة لتقديم الفحوصات والأدوية.
دعم نفسي أولي للأطفال والنساء اللواتي عانين صدمة الإجلاء.
لم يقتصر الأمر على المساعدات الغذائية؛ فقد تم توزيع مواد بناء أولية (ألواح خشبية، أغطية بلاستيكية، أكياس إسمنت) لتأمين المنازل المتصدعة مؤقتاً، مما سمح للأسر بقضاء ليالٍ آمنة نسبياً قبل بدء أعمال الترميم.
سابقة في السرعة: خط هاتفي مخصص وتقييم في 24 ساعة
في سابقة إدارية نادرة، أطلقت السلطات خطاً هاتفياً موحداً (رقم خصصته وزارة الداخلية بالتنسيق مع الجهات المعنية) لتلقي بلاغات الأضرار. ما ميز هذا الخط:
استجابة فائقة السرعة: لا تتجاوز مدة الانتظار 24 ساعة قبل وصول خبير معتمد إلى المكان.
تقييم موضوعي وشفاف: يتم تسجيل الأضرار بالصور والفيديو، مع حضور صاحب المنزل أو الأرض.
صرف التعويضات نقداً في نفس اليوم: بعد الموافقة على التقرير، يتم تحويل المبلغ مباشرة إلى حساب بنكي أو تسليمه نقداً في مكاتب بريدية أو وكالات بنكية متنقلة.
شهد متضررون عديدون أن هذه الطريقة قللت من التعقيدات الإدارية التقليدية، وأعطت شعوراً حقيقياً بأن الدولة موجودة وتتحرك بجدية لجبر الضرر.
لماذا نجحت التجربة؟ العوامل الرئيسية
التخطيط المسبق: المناطق المتضررة معروفة بتاريخها مع الفيضانات، مما سمح بإعداد خطط طوارئ جاهزة.
التعبئة الشاملة: مشاركة الجيش، الدرك، الوقاية المدنية، الجماعات، والجمعيات المدنية في إطار واحد.
التواصل الفعال: إرشادات يومية عبر التلفزيون والراديو والصفحات الرسمية، مع أرقام طوارئ واضحة.
الإرادة السياسية العليا: توجيهات ملكية واضحة بـجبر الضرر في أسرع وقت، ما أعطى دفعة معنوية وإدارية كبيرة.
الاعتماد على التكنولوجيا: استخدام تطبيقات ومنصات رقمية لتسجيل البلاغات ومتابعة الملفات.
صورة مغرب جديد: نموذج يُحتذى به عربياً وإفريقياً
ما حدث في القصر الكبير والغرب ليس مجرد تدبير كارثة طبيعية؛ إنه دليل على تطور المنظومة الوطنية لإدارة الكوارث. في وقت يعاني فيه العديد من الدول من بطء الاستجابة أو غياب التعويضات، قدم المغرب نموذجاً يجمع بين:
السرعة (إجلاء وتعويض في أسابيع).
الشفافية (تقييم ميداني مباشر).
الإنسانية (الحرص على كرامة المواطن).
اليوم، يتحدث المتضررون عن أمل استعادوه بفضل هذه الاستجابة. يقول أحد الفلاحين الذين تلقوا تعويضاً عن أرضه الزراعية المغرقة: “لم أكن أتوقع أن أرى المبلغ في حسابي بهذه السرعة. هذا يعني أننا لسنا متروكين، وأن الدولة تحس بوجعنا”.
درس في التضامن والكفاءة
ملحمة القصر الكبير والغرب ليست نهاية قصة فيضان، بل بداية قصة ثقة متجددة بين المواطن والدولة. في زمن تتزايد فيه الكوارث الطبيعية بسبب التغير المناخي، يثبت المغرب أن الإرادة السياسية، التخطيط الجيد، والتضامن الوطني قادرون على تحويل الكارثة إلى فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل.
اليوم، وبينما يعيد الناس ترميم بيوتهم وحياتهم، يبقى الدرس الأكبر: عندما تتحرك الدولة بقلب وكفاءة، يصبح التضامن الوطني أقوى من أي فيضان.














