الجفاف في بريطانيا يهدد بتغيير ملامح الريف للأجيال القادمة
الجفاف في بريطانيا.. لم تعد موجات الحر والجفاف في المملكة المتحدة مجرد ظواهر موسمية عابرة بل باتت تهدد بإحداث تغييرات عميقة في ملامح الريف البريطاني خلال العقود المقبلة مع تراجع الغطاء الشجري وتضرر أنواع من الطيور والحشرات والبرمائيات.
وتشكل هذه التحذيرات جرس إنذار حقيقي للمملكة المتحدة في ظل التحولات المناخية المتسارعة. يهدد الجفاف في بريطانيا بتغيير ملامح الريف البريطاني خلال العقود المقبلة مع تراجع الغطاء الشجري وتضرر الأنواع البرية والزراعة.
تراجع الغطاء الشجري وظاهرة الخريف الزائف
تأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه البلاد ظروفاً مناخية استثنائية بعدما سجلت إنجلترا وويلز أكثر أشهر يوليوز جفافاً في سجلاتهما فيما أُعلنت حالة الجفاف في بريطانيا في نحو سبعين بالمائة من مساحة إنجلترا.
وبالتزامن مع اندلاع حرائق في مناطق عشبية وغابات من بينها سافولك ونيو فورست والميدلاندز الغربية يتوقع متخصصون أن يكون الصيف الحالي من بين الأكثر حرارة في تاريخ المملكة المتحدة.
ويُعد تراجع الأشجار من أبرز التغيرات المحتملة إذ تحذر إيما غيلمارتن كبيرة المسؤولين الفنيين في جمعية علوم الأشجار من اتساع الفجوات في الغطاء الشجري داخل المدن والقرى والمناطق الريفية بما يعني فقدان مساحات أكبر من الظل الطبيعي.
ويؤدي استمرار الجفاف في بريطانيا إلى إضعاف الأشجار وإجهادها وقد يتسبب في موت بعض أجزائها وتساقط أغصانها فضلاً عن الإضرار بالأسيجة الشجرية المنتشرة في الريف البريطاني.
وسُجلت بالفعل ظاهرة تُعرف بالخريف الزائف حيث بدأت أوراق بعض الأشجار بالاصفرار والتساقط مبكراً نتيجة الإجهاد الناجم عن نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة مما ينذر بتداعيات بيئية خطيرة.
الطيور والحشرات والضفادع في دائرة الخطر
لا تقتصر أهمية الأشجار على المشهد الطبيعي فهي تؤدي دوراً أساسياً في الحد من ظاهرة الجزر الحرارية داخل المدن من خلال توفير الظل والمساعدة في خفض درجات الحرارة.
لكن دراسة لمؤسسة فاند فور تريز أظهرت أن أقل من نصف الأشجار المزروعة في المدن تتمتع بحالة جيدة بينما جفت واحدة من كل خمس أشجار وسط مشكلات مرتبطة بضعف الرعاية خلال السنوات الأولى بعد زراعتها.
وتمتد آثار الجفاف في بريطانيا أيضاً إلى الحياة البرية إذ يحذر الخبراء من تراجع أعداد بعض الطيور المغردة مثل الشحرور وأبو الحناء نتيجة صعوبة العثور على الحشرات وديدان الأرض عندما تصبح التربة جافة وقاسية.
كما تواجه الطيور التي تبني أعشاشها على الأرض ومنها الزقزاق ضغوطاً إضافية بسبب الحرارة المرتفعة التي قد تؤثر في قدرتها على التكاثر وفي نجاح فقس البيض.
ولا تبدو الحشرات بمنأى عن الخطر إذ رجح الخبراء تراجع أعداد النحل الطنان في جنوب إنجلترا وربما اختفاءه من بعض المناطق بسبب حساسيته تجاه درجات الحرارة المرتفعة.
وتفتح الأنهار والجداول والبرك التي تنخفض مستويات مياهها خلال فترات الجفاف جبهة جديدة أمام الكائنات البرية حيث يحذر الخبراء من تراجع أعداد الضفادع والسلمندر المائي والعلاجيم.
إذ تعتمد يرقاتها على المياه خلال مراحل أساسية من نموها ما يجعل جفاف البرك والجداول تهديداً مباشراً لتكاثرها ويهدد سمك السلمون الأطلسي الذي يواجه خطراً مختلفاً مع ارتفاع حرارة المياه.
خسائر اقتصادية تتجاوز ثلاثة مليارات جنيه
ولا تتوقف التداعيات عند الحياة البرية إذ يرتبط الغطاء الشجري بالنشاط الزراعي بصورة مباشرة حيث توفر الأشجار للماشية والأغنام الظل خلال الرعي في الأيام الحارة.
بينما قد يؤدي تراجعها إلى زيادة تعرض الحيوانات للإجهاد الحراري كما تشكل الأشجار القديمة موائل مهمة للعديد من الحشرات والكائنات بما في ذلك الملقحات التي تعتمد عليها المحاصيل.
وتحمل خسارة الأشجار تكلفة اقتصادية أيضاً إذ قدرت دراسة حكومية أُجريت بالتعاون مع فوريست ريسيرش عام ألفين وواحد وعشرين القيمة السنوية للخدمات التي توفرها الأشجار في المملكة المتحدة بنحو ثلاثة فاصل ثلاثة وثمانين مليار جنيه إسترليني.
وتشمل هذه الخدمات امتصاص الكربون والمساهمة في خفض الضوضاء وتلطيف درجات الحرارة في المدن فضلاً عن دور المساحات الخضراء في تحسين جودة الحياة مما يجعل آثار الجفاف في بريطانيا متعددة الأبعاد.
وترى غيلمارتن أن تراجع الظلال في الشوارع والمناطق التجارية قد يفرض أعباء اقتصادية وصحية إضافية خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة مخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
وقد تمتد التداعيات إلى هيئة الصحة الوطنية البريطانية في ظل احتمال زيادة الحالات المرتبطة بالحرارة بينما تشير دراسات إلى أن وجود الأشجار والمساحات الخضراء حول المنشآت الصحية قد يرتبط بتحسن تجربة المرضى وتعافيهم.
وبين أشجار تكافح للبقاء ومجاري مائية تتراجع مستوياتها وحيوانات تبحث عن الظل والغذاء يخشى خبراء البيئة أن يكون الريف البريطاني أمام مرحلة جديدة إذا أصبحت موجات الحر أكثر تكراراً وشدة بما قد يغير تدريجياً ملامح الطبيعة التي عرفتها أجيال متعاقبة. ولمتابعة آخر المستجدات البيئية، يمكن زيارة قسم منوعات، أو الاطلاع على التفاصيل عبر الموقع الرسمي لحكومة المملكة المتحدة للحصول على المعلومات الكاملة.









