حكومة المنصوري تفتح عهداً جديداً.. وأخنوش يغادر المشهد
في مشهد سياسي يعيد رسم خريطة التوازنات داخل المؤسسة الحكومية، يبدو أن عدداً من ركاب السفينة الحكومية السابقة لم يستوعبوا بعد أن القبطان تبدل، وأن الدفة أصبحت هذه المرة في يد امرأة هي فاطمة الزهراء المنصوري. فحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي قاد حكومة المنصوري السابقة من خلال عزيز أخنوش، أعلن استعداده الكامل للمشاركة في التشكيلة الحكومية الجديدة، والرغبة في مواصلة الإسهام من موقع المسؤولية في استكمال الأوراش والإصلاحات الكبرى المفتوحة بالمملكة.
في مفترق طرق سياسي يعيد رسم التحالفات. تستعد حكومة المنصوري للإبحار بتشكيلة جديدة قد تستثني حزب الأحرار، في ظل حسابات برلمانية تمنح الأغلبية الجديدة هامش مناورة واسعاً دون الحاجة إلى مقاعد الحزب الذي قاد الحكومة السابقة.
الحسابات البرلمانية تُقصي الأحرار عن الحكم
لا أحد يمكنه أن يعترض على لغة “استكمال الأوراش” و”مواصلة الإسهام” التي رفعها الأحرار، لكن السياسة، في نهاية المطاف، لا تُقرأ دائماً من البلاغات الرسمية، وإنما من الأرقام ومن مواقع الجلوس حول الطاولة. والأرقام الجديدة تقول إن التجمع الوطني للأحرار، صاحب الستة والستين مقعداً، لم يعد يملك وحده مفاتيح هندسة الأغلبية، بعد أن أصبح حزب الأصالة والمعاصرة يتصدر المشهد بأربعة وتسعين مقعداً، مما يمنحه هامشاً واسعاً في اختيار شركائه.
فحزب الأصالة والمعاصرة حصل على سبعة وتسعين مقعداً، والاستقلال على خمسة وستين، والحركة الشعبية على تسعة وعشرين. وإذا أضفنا إليهم الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، اللذين جمعا قوتهما البرلمانية في فريق مشترك من خمسة وعشرين نائباً، فإن المجموع يصل إلى مائتين وستة عشر مقعداً، أي أغلبية تتجاوز العتبة المطلوبة بثمانية عشر مقعداً، مما يجعل إمكانية تشكيل حكومة المنصوري دون الأحرار فرضية واقعية وليست مجرد تكهن.
سيناريوهات الأغلبية الجديدة تتشكل بدون أخنوش
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. فإذا اختار “البام” هذه الصيغة، فلن يكون إبعاد الأحرار مجرد رغبة لدى تيار داخل الحزب في التخلص من شريك حكومي سابق، بل سيكون له سند قوي في الحساب البرلماني. بمعنى آخر، يمكن لـحكومة المنصوري أن تتشكل من دون المقاعد الستة والستين التي يحملها التجمع الوطني للأحرار، وهنا تحديداً تصبح عبارة “من نعيم الحكومة إلى قساوة المعارضة” أكثر من مجرد عنوان ساخر.
فالحزب الذي كان يقود الحكومة بالأمس قد يجد نفسه غداً مضطراً إلى التعرف على مقاعد المعارضة، لا لأن رصيده الانتخابي صغير، وإنما لأن الأغلبية الجديدة قد تجد أنها تستطيع العيش من دونه. ولعل هذا ما يفسر شيئاً من الحذر الذي يطبع موقف “البام” من عودة الأحرار إلى الحكومة، فداخل الحزب تيار لا يبدو متحمساً لإعادة إنتاج التحالف السابق، ويرى أن المرحلة الجديدة ينبغي أن تحمل تجربة حكومية مختلفة.
وإذا نجح هذا التيار في إقناع المجلس الوطني للحزب، فإن الرسالة ستكون واضحة: حكومة المنصوري لن تكون مجرد حكومة أخنوش بعد تغيير الاسم، بل ستكون محاولة لفتح صفحة سياسية جديدة، حتى لو اقتضى ذلك البحث عن أغلبية من دون الأحرار. واللافت أن البديل لا يحتاج إلى اختراع أرقام من العدم، فالاستقلال موجود بخمسة وستين مقعداً، والحركة الشعبية بتسعة وعشرين، والفريق المشترك بخمسة وعشرين نائباً.
بنكيران يختار المعارضة والعنصر يعود للاستشارة
ويبقى في المشهد حزب لم نلتفت إليه بما يكفي، وهو التقدم والاشتراكية، الذي خرج من الانتخابات بتسعة عشر مقعداً، وقرر تأجيل حسم موقفه النهائي من المشاركة في الحكومة أو الاصطفاف في المعارضة إلى ما بعد انتهاء الجولة الأولى من المشاورات التي تقودها رئيسة الحكومة المعينة. وهو ما يجعل التسعة عشر مقعداً، في ظل تعدد السيناريوهات والحسابات، رقماً لا ينبغي إسقاطه من المعادلة قبل أن يقول الحزب كلمته الأخيرة.
وفي قلب هذه الحسابات، يظهر عبد الصمد عرشان في مشهدين، هما توقيع التحالف البرلماني من جهة، والحضور في مشاورات تشكيل الحكومة من جهة أخرى. أما الأحرار، فيبدو أنهم يخوضون معركة مختلفة، معركة إقناع حكومة المنصوري بأن وجودهم استمرار للخبرة وليس استمراراً للماضي. وهنا يعود ملف فوزي لقجع ليضيف إلى المشهد جرعة أخرى من المفارقة، فالحديث عن إمكانية وصوله إلى وزارة الاقتصاد والمالية يجعل التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي يبدو اليوم كأنه واحد من تلك التصريحات التي سبقت صافرة النهاية.
أما عبد الإله بنكيران، فقد اختار أن يلعب مباراة أخرى. وافق على التواصل مع المنصوري باعتبار ذلك من اللياقة والأخلاق السياسية، لكنه لم يذهب إلى مقر “البام”، مفضلاً أن يقول إن من أراد لقاءه فليأت إليه. واختار بنكيران باب المعارضة، مؤكداً التوجه نحو معارضة مؤسساتية برلمانية بعد حصول حزبه على أربعة وخمسين مقعداً. أما الحركة الشعبية، فلها قصتها الخاصة، فامحند العنصر أعلن أنه طوى صفحة العمل السياسي الميداني نهائياً، مع احتفاظه بدوره الشرفي وخبرته للاستشارة عند الحاجة، لكنه ظهر رفقة محمد أوزين في مشاورات تشكيل الحكومة.
وفي مكان آخر من الصورة يقف أولئك الذين يمكن تسميتهم بـ”أيتام أخنوش”، وهم وزراء استُقطبوا من حزب “أكوا”، وشخصيات سياسية وإعلامية ارتبط حضورها بقوة المرحلة السابقة، ومنابر إعلامية كانت ترفل في نعيم الإشهار. هؤلاء تحديداً وجدوا أنفسهم أمام امتحان المرحلة الجديدة، فالحكومة عندما تتغير، لا تتغير معها فقط أسماء الوزراء، بل يشمل التغيير أيضاً خرائط النفوذ ومسارات الوصول وأحياناً حتى اتجاهات الريح.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة حكومة المنصوري على فرض نمط جديد من التدبير الحكومي يقطع مع اختلالات الولاية السابقة، وهل ستتمكن من تحقيق القطيعة المطلوبة مع الممارسات التي أثارت الجدل. كما يبقى السؤال مطروحاً حول انعكاسات استبعاد الأحرار المحتمل على المشهد السياسي، وهل سيُنتج معارضة قوية قادرة على لعب دور الرقابة الفعالة، أم أن الحسابات الضيقة ستُعيد إنتاج نفس التحالفات تحت مسميات جديدة.
فالسفينة استُبدلت بأخرى جديدة، بعدما طوت سفينة أخنوش شراعها، معلنة توقف رحلاتها. والسؤال الآن ليس من كان على متن السفينة القديمة، وإنما من سيحصل على تذكرة العبور إلى مونديال ألفين وثلاثين على متن السفينة الجديدة، ومن سيكتشف أن تذكرته انتهت صلاحيتها مع انتهاء الرحلة السابقة.
وتُمثل هذه المحطة السياسية نقطة تحول مفصلية في مسار التحالفات الحكومية بالمغرب. ولمتابعة آخر المستجدات السياسية والحزبية، يمكن زيارة قسم السياسة، أو الاطلاع على البرامج الحزبية عبر الموقع الرسمي لحزب التجمع الوطني للأحرار للحصول على المعلومات الدقيقة حول مواقف الأحزاب من تشكيل الحكومة الجديدة.










