
لماذا تحظى غرينلاند باهتمام عالمي واسع؟ كشف الأسرار الجيولوجية والاستراتيجية
نشرت صحيفة الإندبندنت البريطانية مقالاً تحليلياً عميقاً للكاتب جوناثان بول، يجيب على السؤال الذي يشغل بال الكثيرين: لماذا أصبحت غرينلاند – أكبر جزيرة في العالم – محط أنظار القوى العظمى والشركات متعددة الجنسيات؟ الإجابة، بحسب المقال، تكمن في تاريخها الجيولوجي الفريد الذي يمتد لأكثر من 4 مليارات سنة، وفي ثرواتها الطبيعية الهائلة التي تجعلها “كنزاً جيولوجياً نادراً”.
غرينلاند: الجزيرة التي تجمع ثلاثة مسارات لتكوّن الموارد الطبيعية
يؤكد الكاتب أن ما يميز غرينلاند جيولوجياً هو اجتماع ثلاثة مسارات رئيسية لتكوّن الموارد في مكان واحد – وهو أمر نادر جداً على مستوى الكوكب:
- النفط والغاز تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) تشير إلى أن شمال شرق غرينلاند وحدها يحتوي على نحو 31 مليار برميل من النفط المكافئ في صورة هيدروكربونات، وهو رقم يقترب من إجمالي الاحتياطي المثبت من النفط الخام في الولايات المتحدة. كما توجد حقول نفطية محتملة واسعة تمتد حول كامل سواحل الجزيرة، معظمها تحت الجليد أو في المياه البحرية المحيطة.
- العناصر الأرضية النادرة (Rare Earth Elements) ثلاثة من رواسب العناصر النادرة في غرينلاند – الواقعة تحت طبقة الجليد – تُعد من بين الأكبر عالمياً من حيث الحجم. هذه العناصر (مثل الليثيوم، النيوديميوم، الديسبروسيوم، والتربيوم) ضرورية لصناعة البطاريات، المحركات الكهربائية، توربينات الرياح، والمكونات الإلكترونية المتقدمة – أي أنها أساس التحول العالمي نحو الطاقة الخضراء.
- المعادن الثمينة والأحجار الكريمة الجزيرة غنية أيضاً بالذهب، اليورانيوم، الزنك، الحديد، والأحجار الكريمة، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق جاذبية لشركات التعدين العالمية.
الاهتمام الاستراتيجي: الدنمارك، أمريكا، والصين
يبرز المقال أن هذه الثروات هي السبب الرئيسي وراء الاهتمام المتزايد:
- الولايات المتحدة: منذ عهد ترامب الأول (2019)، عبرت واشنطن عن رغبتها في “شراء” غرينلاند أو تعزيز وجودها العسكري فيها (قاعدة ثول الجوية). اليوم، تركز الإدارة الأمريكية على دراسات جدوى التعدين واستغلال العناصر النادرة لتقليل الاعتماد على الصين (التي تسيطر على 70–80% من إنتاج العناصر النادرة عالمياً).
- الدنمارك: كون غرينلاند جزءاً من مملكة الدنمارك، فإن كوبنهاغن تجري دراسات معمقة للأنشطة التجارية والبيئية، مع الحرص على الحفاظ على السيادة.
- الصين: تمتلك شركات صينية اهتماماً كبيراً بمشاريع التعدين في غرينلاند، وهو ما يثير مخاوف غربية من “التوسع الصيني” في القطب الشمالي.
المعضلة الكبرى: الثروة مقابل البيئة
في ختام المقال، يطرح الكاتب السؤال الأخلاقي والاستراتيجي الأكبر: كيف يمكن للعالم استغلال ثروات غرينلاند لدعم التحول الأخضر (بطاريات، طاقة متجددة) دون تدمير البيئة التي تعتمد عليها الجزيرة؟
- ذوبان الجليد يسرّع من إمكانية الوصول إلى الموارد، لكنه يرفع مستوى سطح البحر ويهدد المستوطنات الساحلية.
- التعدين قد يدمر المناظر الطبيعية ويؤثر على النظم البيئية الهشة.
- السكان المحليون (الإنويت) يطالبون بحقوقهم في اتخاذ القرارات، ويخشون من “الاستعمار الجديد” تحت غطاء التنمية.
غرينلاند، إذن، ليست مجرد “جزيرة جليدية نائية”، بل هي واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في العالم اليوم: كنز جيولوجي، مفتاح للطاقة الخضراء، ونقطة اشتعال جيوسياسي محتمل بين القوى الكبرى.
المقال يختم بأن “غرينلاند قد تكون المكان الذي يتقرر فيه مصير التحول الطاقي العالمي – أو يُهدد به”.



















