أزمة السكن تُفجر إضرابا عاما بإسبانيا
أزمة السكن..
في تصعيد اجتماعي يُنذر بأزمة سياسية واقتصادية مركبة، دعت أبرز النقابات الإسبانية إلى إضراب عام في الحادي عشر من نونبر المقبل، في خطوة تهدف إلى زيادة الضغط على حكومة بيدرو سانشيز قبيل الانتخابات التشريعية المبكرة. وتأتي هذه الدعوة في ظل تفاقم أزمة السكن التي تُؤرق ملايين الإسبان، بعد واقعة مأساوية هزت الرأي العام وأصبحت رمزاً للمعاناة اليومية للأسر ذات الدخل المحدود.
في أزمة تُعيد رسم الخريطة السياسية الإسبانية. تستعد إسبانيا لإضراب عام شامل احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، في ظل غضب شعبي متصاعد بعد وفاة مسنة تم إخلاؤها قسراً من منزلها.
وفاة مسنة تُشعل الغضب الشعبي ضد المضاربة العقارية
وأشعلت واقعة إخلاء ماريكارمن أباسكال، وهي سيدة تبلغ من العمر سبعة وثمانين عاماً، فتيل الغضب المتراكم منذ سنوات بسبب تكاليف السكن الباهظة. وأفاد ناشطون في مجال الإسكان بأن المرأة المتقاعدة أُجبرت الشهر الماضي على إخلاء شقتها في مدريد، حيث عاشت لأكثر من سبعة عقود، بعدما استحوذت عليها شركة استثمارية سعت إلى رفع قيمة الإيجار بنسبة مائتين وخمسة وسبعين بالمائة. وتوفيت أباسكال الأربعاء الماضي، ما أثار موجة حزن واسعة في العاصمة.
واعتبرت نقابة المستأجرين في مدريد، التي أعلنت خبر الوفاة، أن قضية هذه السيدة تُمثل “نقطة تحول في تاريخ” إسبانيا، وكتبت على منصة إكس تعبيراً عن تضامنها مع عائلتها. وشهدت ساحة بويرتا ديل سول مشاهد مؤثرة، حيث شوهد متظاهرون يبكون ويحتضنون بعضهم بعضاً ويشعلون الشموع تخليداً لذكرى أباسكال، قبل أن يتوجه المئات في مسيرة إلى البرلمان مرددين: “النضال مستمر، ماريكارمن حية”. ويمكن متابعة تغطيات الأزمات الاجتماعية والاقتصادية عبر موقع العالمية نيوز للحصول على تحليلات معمقة للوضع الإسباني.
النقابات تدعو لتعبئة شاملة قبل الانتخابات المبكرة
ودعت نقابتا “يو جي تي” و”سي سي أو أو”، الأكبر في البلاد، السكان إلى “التعبئة من أجل إيجار أفضل وسكن لائق وضبط الأسعار في مواجهة التضخم الذي يُقوّض القدرة الشرائية”. وقالت النقابتان في بيان مشترك إن الإضراب “يُشكل رداً على الجشع العقاري الذي يُضارب على أحد أهم حقوق المواطنين ويجعل الحصول على مسكن لائق أمراً شبه مستحيل”، كما نددتا بـ”سياسات الشركات التي تستغل النمو الاقتصادي للبلاد لتعظيم ثرواتها عبر تحقيق أرباح طائلة على حساب أجور العاملين”.
ويأتي هذا التحرك النقابي في ظل أزمة السكن المتفاقمة، حيث تقود أبرز نقابات المستأجرين منذ أسابيع حملة ضغط على الطبقة السياسية من أجل تنظيم سوق الإسكان. وتشير البيانات إلى أن متوسطات الإيجار في إسبانيا تضاعفت تقريباً خلال العقد الماضي، في حين ارتفعت الأسعار المطلوبة للمنازل بنحو تسعين بالمائة، وفق بيانات موقع “إيدياليستا” العقاري. واعتصم المئات في مخيم أقيم في قلب مدريد للضغط من أجل إجراء إصلاحات، فيما أُقيمت مخيمات مماثلة في مدن أخرى.
التضخم والإيجارات ينهكان القدرة الشرائية للإسبان
وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية بعد أن بلغ معدل التضخم في إسبانيا 4,9 بالمائة في شتنبر الماضي، في أعلى مستوى له منذ فبراير ألفين وثلاثة وعشرين. وردت الحكومة بفرض سقوف جديدة لأسعار الغاز وتقديم حسومات على الوقود لحماية المستهلكين، لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد. وتُشير التقديرات إلى أن أزمة السكن تُؤثر بشكل خاص على الشباب والطبقات المتوسطة العاملة، التي تجد صعوبة متزايدة في العثور على مساكن بأسعار معقولة.
وعلى الصعيد السياسي، أسقطت أحزاب المعارضة في البرلمان الإسباني مرسومين اقترحتهما حكومة سانشيز حول التجديد التلقائي لعقود الإيجار وفرض قيود على إخلاء المستأجرين من الفئات الأكثر ضعفاً. ودفع هذا الإسقاط رئيس الوزراء إلى تقديم موعد الانتخابات التشريعية إلى التاسع والعشرين من نونبر، بعدما كانت مقررة في سنة ألفين وسبعة وعشرين. ويتهم سانشيز الحزب الشعبي المحافظ وحزب “فوكس” اليميني المتطرف بالانحياز إلى المضاربين والصناديق الاستثمارية الكبرى، فيما تقول المعارضة إن سانشيز يتحمل مسؤولية عدم تحسين الوضع خلال الأعوام الثمانية التي قضاها في السلطة. ويمكن الاطلاع على بيانات سوق الإسكان الإسباني عبر موقع إيدياليستا العقاري الذي يوفر إحصائيات دقيقة حول أسعار الإيجار والعقارات.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة الإضراب العام على إحداث تغيير فعلي في سياسات الإسكان، وهل سيُشكل عامل ضغط حقيقي على الأحزاب المتنافسة في الانتخابات المبكرة. كما يبقى السؤال مطروحاً حول انعكاسات هذه الأزمة على الاستقرار الحكومي مستقبلاً، وهل ستُفرز الانتخابات المقبلة أغلبية قادرة على معالجة جذور أزمة السكن المزمنة.
وتُمثل هذه الأزمة اختباراً حقيقياً للنموذج الاجتماعي الإسباني وقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة. ولمتابعة تطورات المشهد السياسي الإسباني، يمكن زيارة قسم الأخبار الدولية في موقعنا للحصول على تغطيات شاملة ومعمقة.










