ارتفاع عدد مشتركي الإنترنت بالمغرب يعزز القيمة المضافة للقطاع الرقمي
محاور المقال
ارتفاع عدد مشتركي الإنترنت بالمغرب يشكل مؤشراً اقتصادياً واستراتيجياً بالغ الأهمية، يعكس حيوية القطاع الرقمي وقدرته على التعافي والنمو المستدام، وفقاً لأحدث المعطيات الصادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية. فقد استعادت القيمة المضافة لقطاع الإعلام والاتصالات وتيرة النمو الإيجابي، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 2 في المائة عند متم الفصل الأول من سنة 2026، وذلك بعد فترة من الانكشاف شهدت انخفاضاً قدره 1.7 في المائة خلال الفترة المقابلة من السنة الماضية. وفي هذا الإطار، واصل قطاع الاتصالات زخمه الإيجابي، حيث نما عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية بنسبة 3 في المائة خلال الربع الأول من العام الجاري، ليصل إجمالي قاعدة المشتركين إلى حوالي 41.1 مليون مشترك. هذا الرقم القياسي دفع بمعدل النفاذ في هذا القطاع الحيوي إلى بلوغ ذروته عند نسبة 111.5 في المائة، وهي قفزة نوعية مقارنة بـ 108.2 في المائة المسجلة في الفصل الأول من سنة 2024، وبفارق شاسع عن نسبة 65.6 في المائة التي كانت سائدة في نهاية مارس 2019، مما يؤكد التسارع الكبير في وتيرة الرقمنة واعتماد المواطنين على الخدمات الرقمية في مختلف مناحي حياتهم اليومية والمهنية.
دينامية سوق الهاتف المحمول والثبات النسبي للهاتف الثابت
ارتفاع عدد مشتركي الإنترنت بالمغرب.. وفي موازاة هذا الزخم الرقمي الملحوظ، كشفت المعطيات الرسمية عن تحولات مثيرة في سلوكيات استهلاك خدمات الاتصالات، حيث سجلت قاعدة مشتركي الهاتف المحمول 57.1 مليون مشترك عند متم الفصل الأول من السنة الجارية، وهو ما يمثل انخفاضاً طفيفاً قدره 0.6 في المائة مقارنة بالمستويات التي تم رصدها في الفصل الأول من سنة 2025. وبناءً على ذلك، انخفض معدل النفاذ في هذا القطاع بشكل هامشي، منتقلاً من 155.8 في المائة إلى 154.9 في المائة، رغم أنه لا يزال مرتفعاً جداً مقارنة بمعدل 127 في المائة في نهاية مارس 2019. يعكس هذا التراجع البسيط في قطاع الهاتف المحمول ظاهرة التشبع السوقي، بالإضافة إلى اتجاه العديد من المستخدمين نحو دمج شرائح الاتصال أو الاعتماد الكلي على بطاقات البيانات (Data-only) بدلاً من المكالمات التقليدية. في المقابل، أظهر قطاع الهاتف الثابت مرونة ونمواً مستقراً، حيث ناهز عدد المشتركين فيه 3.3 ملايين مشترك خلال الربع الأول من سنة 2026، مسجلاً زيادة قدرها 5.1 في المائة، عقب نمو مماثل بنسبة 5.2 في المائة في السنة السابقة، وهو ما يشير إلى الطلب المتزايد على خدمات الإنترنت المنزلي عالي السرعة عبر الألياف البصرية، والتي أصبحت ركيزة أساسية للعمل عن بعد والتعليم الرقمي.
الانعكاسات الاقتصادية للتحول الرقمي وآفاق التطور المستقبلي
إن هذا التعافي الملحوظ في القيمة المضافة لقطاع الإعلام والاتصالات، الذي تحول من الانكماش إلى النمو الإيجابي، يحمل دلالات اقتصادية عميقة على مستوى الاقتصاد الوطني ككل. فارتفاع معدلات النفاذ الرقمي إلى أكثر من 111 في المائة لا يعني مجرد زيادة في عدد البطاقات، بل يعكس تحولاً هيكلياً في طريقة تفاعل المجتمع مع التكنولوجيا، مما يفتح آفاقاً واسعة أمام نمو قطاعات اقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالرقمنة، مثل التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والحكومة الإلكترونية، والاقتصاد المعرفي. إن توفر بنية تحتية رقمية قوية وشبكة مستخدمين واسعة يمثل حافزاً قوياً لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مجال التكنولوجيا، ويشجع الشركات الناشئة المحلية على الابتكار وتطوير حلول تخدم السوق المحلية والإقليمية. كما أن هذا النمو يساهم بشكل مباشر في خلق فرص عمل جديدة في مجالات البرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، مما يدعم جهود المملكة في تقليل الفجوة الرقمية وتعزيز الإدماج الرقمي للفئات الهشة والمناطق النائية، لضمان عدم تخلف أي شريحة مجتمعية عن ركب التطور التكنولوجي المتسارع.

استراتيجيات التعزيز والرهانات المستقبلية للقطاع
في الختام، يعكس هذا المسار التصاعدي في المؤشرات الحيوية للاتصالات، حيث يواصل ارتفاع عدد مشتركي الإنترنت بالمغرب تحقيق أرقام قياسية، نجاح السياسات العمومية الرامية إلى تطوير البنية التحتية الرقمية، لكنه يطرح في الوقت ذاته رهانات جديدة تتطلب استجابات استباقية. فمن أجل الحفاظ على هذا الزخم وضمان استدامته، يتعين على الفاعلين في القطاع مواصلة الاستثمار في تحديث الشبكات، والتسريع في تعميم تقنية الجيل الخامس (5G) لتلبية الطلب المتزايد على سرعات نقل البيانات الهائلة، وتعزيز الأمن السيبراني لحماية المعطيات الشخصية للمستخدمين. كما أن تحسين جودة الخدمات وتنافسية الأسعار يظلان عاملين حاسمين لضمان ولاء المشتركين في ظل سوق تتسم بالمنافسة الشديدة. إن تحقيق هذه الأهداف سيمكن المملكة من ترسيخ مكانتها كقطب إقليمي رائد في مجال التكنولوجيا والاتصالات، ويساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية الشاملة، مما يجعل القطاع الرقمي محركاً أساسياً للنمو ومحوراً استراتيجياً في الرؤية المستقبلية للمغرب.










