الذكاء الاصطناعي..
في خطوة استراتيجية تعكس وعياً عميقاً بالتحولات التكنولوجية المتسارعة، أقرت التشكيلة الحكومية المغربية الجديدة إحداث وزارة متخصصة تحمل اسم “الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة”، أُسندت مسؤوليتها لأحمد رحو، الرئيس السابق لمجلس المنافسة. ويُمثل هذا القرار دخول هذه التقنية المتقدمة رسمياً إلى قلب الهندسة الحكومية بالمغرب، في سياق دولي تتسابق فيه الدول على تبني الحلول الذكية كرافعة للتنمية الاقتصادية وتحديث الإدارة العمومية.
في خيار مؤسساتي يعكس طموحاً رقمياً كبيراً. يُعين المغرب أحمد رحو على رأس وزارة متخصصة في التكنولوجيا المتقدمة والتحول الرقمي، لينضم بذلك إلى نخبة الدول التي خصصت حقائب وزارية لهذه الابتكارات الحديثة.
تكنولوجيا متقدمة تحظى بوزارة مستقلة
الذكاء الاصطناعي.. وأثارت هذه الخطوة جدلاً واسعاً بالنظر إلى أن المغرب، وفق قراءات متعددة، لا يُعدّ عنصراً فاعلاً أو أصلياً في مجال الثورة الرقمية الفائقة الجديدة، مع أن البلد انتبه إلى النقاش الدولي المتصاعد حول فرص ومخاطر الذكاء الاصطناعي، وأكد غير مرة ضرورة اعتماد رؤية تهدف إلى التصدير لا الاستيراد، لإنتاج حلول ذكية تدعم الاقتصاد الوطني. وتُشكل هذه الوزارة الجديدة ترجمة عملية لهذا التوجه الاستراتيجي.
ويُزكي توجه البلد الشمال إفريقي تجارب دولية سابقة أرست تحولاً في نظرة الحكومات إلى هذه التكنولوجيا، التي باتت ترتبط مباشرة بتحديث الإدارة، وتحسين جودة الخدمات العمومية، ورفع إنتاجية المقاولات، واستقطاب الاستثمارات، وتعزيز السيادة الرقمية، فضلاً عن الاستعداد لتحولات سوق الشغل وأنماط الإنتاج والتنافس الاقتصادي. ويمكن الاطلاع على أحدث التقارير الدولية حول تطور استخدامات الأنظمة الذكية في الحكومات عبر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي توفر دراسات شاملة ومعمقة حول السياسات الرقمية الوطنية.
نماذج دولية متنوعة في تدبير التحول الرقمي
الذكاء الاصطناعي.. وتكشف التجارب الدولية أن إحداث وزارة متخصصة في هذا المجال ليس سوى أحد الخيارات المؤسساتية المتاحة، حيث تختلف النماذج بين دول اختارت وزيراً مختصاً، وأخرى أحدثت وزارة تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والرقمنة، فيما فضلت دول أخرى إسناد هذا الملف إلى هيئات وطنية أو شخصيات افتراضية. وتُعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول التي بادرت إلى إسناد هذا القطاع إلى مسؤول حكومي، بعدما عينت عمر سلطان العلماء وزير دولة للذكاء الاصطناعي في أكتوبر 2017، في خطوة عكست رغبة أبوظبي في إدماج الابتكارات الحديثة في عمل الحكومة.
وفي إسبانيا، جرى اعتماد نموذج مؤسساتي يقوم على كتابة الدولة للرقمنة والتكنولوجيا المتقدمة، ضمن الجهاز الحكومي المكلف بالتحول الرقمي، أُحدث المنصب لأول مرة في يناير 2020 تزامناً مع تشكيل الحكومة الائتلافية برئاسة بيدرو سانشيز. كما كانت فرنسا من الدول الأوروبية التي خصصت مسؤولية حكومية صريحة لهذا المجال سنة 2024، عندما عُينت كلارا شاباز في منصب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكنولوجيا الرقمية، ضمن حكومة ميشيل بارنييه.
وفي كازاخستان، أعلن الرئيس قاسم جومارت توكاييف في شتنبر 2025 إنشاء وزارة التكنولوجيا المتقدمة والتنمية الرقمية، في إطار برنامج يرمي إلى تحويل كازاخستان إلى دولة رقمية بالكامل خلال ثلاث سنوات. وبدورها، اختارت كندا إدراج الابتكار الرقمي ضمن مسؤوليات حكومية اتحادية، حيث عُين الصحافي السابق إيفان سولومون وزيراً للابتكار الرقمي ضمن الحكومة الليبرالية لرئيس مجلس الوزراء الكندي مارك كارني.
تحديات السيادة الرقمية والاستثمار التكنولوجي
الذكاء الاصطناعي.. وفي المملكة المتحدة، عُين كانيشكا نارايان وزيراً للدولة مكلفاً بالتكنولوجيا المتقدمة في يوليوز الماضي بمهام مشتركة داخل مكتب مجلس الوزراء ووزارة الأعمال والابتكار والعلوم والتجارة، وهو التاريخ الذي أُحدث فيه هذا المنصب لأول مرة، أي قبل المغرب بنحو ثلاثة أشهر. وتعتبر لندن المنصب الجديد بمثابة خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز التنسيق الحكومي في تدبير هذا الملف الاستراتيجي.
على خلاف الدول التي اختارت وزارة مستقلة أو منصباً وزارياً متخصصاً، أحدثت السعودية الهيئة السعودية للبيانات والأنظمة الذكية “سدايا” سنة 2019، لتكون جهازاً وطنياً محورياً في تطوير هذا المجال وتنسيق سياساته، وترتبط مهام الهيئة بأهداف رؤية السعودية 2030. ومن جهتها، تقدم ألبانيا نموذجاً مختلفاً في هذا السباق، بعدما أعلنت عن “دييلا” كوزيرة رقمية ضمن حكومة البلد، وهي شخصية افتراضية مولدة بالتقنية، جرى تقديمها باعتبارها وزيرة دولة للتكنولوجيا المتقدمة.
ويبقى الرهان الحقيقي في مدى قدرة الوزارة المغربية الجديدة على تحويل هذا الطموح الرقمي إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، وهل ستُسهم في تحقيق السيادة الرقمية التي يتطلع إليها المغرب. كما يبقى السؤال مطروحاً حول انعكاسات هذا القرار على منظومة الابتكار الوطنية، وهل ستتمكن الوزارة من استقطاب الكفاءات وتطوير البنية التحتية الرقمية اللازمة لمواكبة هذه الثورة التكنولوجية.

الذكاء الاصطناعي.. وتُمثل هذه الخطوة محطة مفصلية في مسار التحول الرقمي بالمغرب، وتضع المملكة أمام تحديات كبيرة تتطلب تضافر جهود مختلف القطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين والأكاديميين. ولمتابعة آخر المستجدات التكنولوجية والرقمية بالمغرب، يمكن زيارة قسم التكنولوجيا في موقعنا للحصول على تغطيات شاملة ومعمقة لأبرز التطورات في مجال التحول الرقمي والابتكار التكنولوجي.










